صدمة

بنتي كان المفروض إنها بتقضي يوم حلو مع أهلي وأختي.. لكن اللي حصل إن جالي تليفون من ظابط في نص اجتماع شغل، بيقولي إن بنتي اتنقلت المستشفى بعد ما لقوها محبوسة لوحدها في عربيتي في عز الموجة الحارة.. ولما كلمت أختي وأنا كلي بترعش، لا اعتذرت، ولا عيطت، ولا حتى سألت “لوسي” كويسة ولا لأ.. دي ضحكت!

​كانت الساعة 2:17 الظهر في يوم عادي من أيام الأسبوع. نور المكتب الفلورسنت فوق راسي، الزرع اللي على مكتبي دبلان، وشيتات الإكسيل مفتوحة قدامي.. وصوت ضحك حد جنب مكنة التصوير، وكأن الدنيا لسه طبيعية ومافيش حاجة حصلت.

​فجأة موبايلي نور برقم غريب.

كنت هطنش ومردش.

بس الحمد لله إني رديت.

​اللي كان بيكلمني ظابط اسمه “ميلر”. قالي إن بنتي “لوسي” اتنقلت مستشفى “ميرسي جنرال”. قالي إن حالتها “مستقرة”، وإني لازم أروح حالاً.

​مستقرة.

الكلمة دي المفروض كانت تهديني، بس اللي حصل العكس.. حسيت قلبي وقع في رجلي.

وبعدين كمل كلامه وقالي: “العربية اللي كانت فيها باسمك يا فندم”.

​المكالمة خلصت، وفضلت قاعدة ثانية والموبايل على ودني كأني مسمعتش صح. بس جسمي كان حاسس قبل عقلي ما يستوعب. إيدي بدأت تترعش، زقيت الكرسي لورا، خدت شنطتي وخرجت من المكتب بجرية لدرجة إن مديري ملحقش غير إنه ينطق اسمي “آنا؟”.

​كان يوم من أيام الصيف الصعبة، الحر طالع من الأسفلت والجو يخنق. جريت على الجراج ووقفت مكاني مذهولة لما لقيت المكان اللي بركن فيه عربيتي فاضي!

​وهنا استوعبت..

أنا كنت مسلفة عربيتي لأختي الصبح.

​”أماندا” كلمتني بعد الفطار بمنتهى البساطة بتطلب تاخد عربيتي الـ (SUV) عشان هيودوا الولاد ملاهي “لايك سايد”، وقالتلي إنها هتاخد الكل فـ هتكون أسهل وأوسع. وأمي كانت معاها على السبيكر، وبمنتهى اللطافة كانت بتقول قد إيه هيكون يوم جميل لـ “لوسي” مع ولاد خالتها.

​وعشان أنا طول عمري البنت اللي بتيجي على نفسها عشان تسهل الدنيا على الكل.. قلتلها “ماشي”.

​ركبت تاكسي وفضلت أتصل بيهم طول الطريق للمستشفى.

أمي مردتش.

أبويا مردش.

وفجأة “أماندا” ردت.

​كنت خلاص هجنن، قلتلها: “لوسي فين؟ إيه اللي حصل؟ هي بتتنفس؟”

والست دي ضحكت!

والله ضحكت بجد.

​وقالت بكل برود: “إحنا مقضيين وقت يجنن من غيرها!”

​”من غيرها”.

وكأن بنتي اللي عندها 6 سنين لما وقعت من حسابات يومهم كانت “ميزة” أو “هدية”.

كأنها مش طفلة.

كأنها مش بنتي.

​شوارع المدينة برا شباك التاكسي كان شكلها يقرفني وقتها. الناس ماشية بقهوة ساقعة، وأطفال ماشيين بآيس كريم بيسيح.. الدنيا كلها ماشية عادي وبنتي كانت محبوسة لوحدها في عربية نار.

​وصلت المستشفى، كانت ريحتها كلور وقهوة بايتة. رحت لمكتب الاستقبال وأنا مش قادرة أخد نفسي. الموظفة قالتلي إن “لوسي” في قسم الأطفال، وإنها فاقت، بس لازم يبلغوا باللي حصل عشان سنها وعشان الموقف نفسه.

​يبلغوا.

جهات رسمية.

هنا عرفت إن الموضوع مش مجرد سوء تفاهم وعيلتي هتلمّه بكلمتين اعتذار وصينية عشا.

​الممرضة خدتني للأوضة، ولما فتحت الباب، شفت “لوسي” قاعدة على السرير ماسكة كوباية ورق بإيديها الاثنين كأنها الحاجة الوحيدة اللي مصبراها. خدودها كانت حمرا، وشعرها مبلول عرق، وعينيها كانت واسعة أوي من الخوف.

​أول ما شافتني، وقالت “ماما” وانفجرت في العياط.. في حاجة جوايا اتكسرت نصين.

​لأني في اللحظة دي، في الأوضة الساقعة دي، وبنتي بتعيط في حضني والموبايل لسه سخن في إيدي من ضحكة أختي.. بطلت أكون البنت اللي بتصلح بلاوي ومصايب الكل.

​فتحت أبلكيشن البنك بتاعي.

وبعدها كلمت محامي.

​وفي أقل من 3 ساعات، كنت بدأت أهد المعبد على دماغ العيلة اللي فكروا إني هفضل أحميهم للأبد.

#مشيره_محمد

هذه هي بقية القصة والفاصل الأخير منها، بنفس الأسلوب المصري العامي المفعم بالصدمة والقوة:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *