اختبار حمل… روايــات_مشـيره_مـحمد

​العروسة لقت اختبار الحمل الفجر.. وبعدها سمعت العريس بيضحك عليها قبل كتب الكتاب!

​قبل تلات ساعات بس من الوقت اللي المفروض “آية” تتحول فيه لـ “مدام يوسف”، كانت واقفة حافية على أرضية الحمام الرخام في جناح الفندق في وسط البلد.. بتبص لخطين حمر في جهاز تحليل الحمل، خطين غيروا كل حاجة في ثانية.

​لعام كامل، أو لثانية واحدة قطعت النفس، العالم كله سكت.

​لا صوت زحمة العربيات والكلاكسات اللي جاية من الشارع تحت، ولا صوت مصممة الأفراح وهي بتخبط على باب الجناح، ولا حتى ضحكات صحباتها وصوت الأغاني وشرب الشربات في الاوضة اللي جمبها.. مفيش أي حاجة في الكون كانت موجودة غير الشريط البلاستيك الأبيض اللي في إيد آية المترعشة، والحقيقة المستحيلة والجميلة اللي بتنور قدام عينيها.

​حامل.

​حطت إيدها على بوقها والدموع نزلت من عينيها فجأة.

​همست وهي مش مصدقة: “يا رب.. مش قادرة أصدق!”

​وبعدين ضحكت ضحكة خطفت قلبها، ضحكة كلها ذهول، لأن الإحساس اللي كان في صدرها مكنش خوف.. كان فرحة. فرحة مجنونة وتدوخ.

​بيبي!

طفل منهم هما الاثنين.

​بعد كام ساعة بس، هتمشي في الممر وسط قاعة مليانة ورد أبيض، وعلى نغمات الكمانجا، وقدام ميتين ومسافرين ومعازيم مستنيين يشوفوها وهي بتتجوز الراجل اللي كانت فاكرة إنه مستقبلها. “يوسف” هيكون واقف عند الكوشة ببدلته التوكسيدو السوداء الشيك، ولابس الابتسامة الواثقة اللي خلتها تقع في حبه من أول نظرة. هيمسك إيديها، ويقول ورا المأذون، ويبوس جبينها كأنها الست الوحيدة في العالم.

​وبعدين، يمكن بليل، لما الفرح يخلص والزيطة تهدى ويكونوا لوحدهم.. هتقوله.

​كانت خلاص بتتخيل ملامح وشه.

يوسف.. الراجل اللي دايماً عنده رد لكل حاجة، أخيراً هيتثبت ومش هيلاقي كلام يقوله! عينيه هتوسع من المفاجأة، ويمسك إيدها ويشدها لحضنه ويقولها: “هنكون بابا وماما؟”

​آية ضحكت تاني وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها.

عمرها ما حست باليقين ده، حست إن الدنيا بتصالحها وبتديلها إشارة.

​بقالها سنين كان نفسها في عيلة، مش العيلة المثالية اللي الناس بتتصور معاها وتنزّلها على الفيسبوك والإنستجرام، لأ.. عيلة بجد. مطبخ مكركب وزحمة يوم الجمعة الصبح، مرجحة في بلكونة أو جنينة صغيرة، طفل يجري على الباب أول ما يوسف يرجع من الشغل. كان نفسها في حدوتة قبل النوم، ركب مخربشة من اللعب، كوتشيات صغننة جمب باب الشقة، وحب حقيقي مش تمثيل.

​وكل ده خلاص بيتحقق!

​فجأة، خبطة جامدة على الباب قطعت حبل أفكارها.

​”آية؟” صوت “بسنت” رن من ورا الباب: “أنتِ عايشة جوة؟ الميكب آرتيست هتموت من الرعب والوقت بيجري!”

​آية بسرعة لفت التحليل في منديل وخبته في قعر شنطة المكياج بتاعتها.

وقالت وهي بتحاول تظبط نبرة صوتها: “أنا تمام.. ثانية واحدة وطالعة.”

​أول ما فتحت الباب، كانت بسنت واقفة في الجناح لابة روب ستان بيج، وشعرها الأصفر ملموم لورا في ويفي واسع وهادي. كانت ماسكة كاسين عصير برتقال في إيديها، وبصت لآية بنظرة تريقة ومحبة:

“أهو.. ظهرت العروسة! يا بنتي كنت خلاص هبلغ البوليس يدور عليكي.”

​آية ابتسمت.. لأن ده اللي كان المفروض تعمله.

​بسنت دي كانت أتنعم وأقرب صاحبة ليها من أيام الجامعة. “الإشبينة” ومخزن أسرارها. البنت اللي عارفة عنها كل حاجة، كل قصة حب فاشلة، كل عياط بالليل، وكل خوف. بسنت هي اللي مسحت دموع آية لما كانت بتعيط على رجالة مبيفهموش ومبيردوش على التليفون، وهي اللي ساعدتها تنقي الفستان اللي هتلبسه بعد شوية عشان تتجوز يوسف.

​في اللحظة دي بالذات، آية كان هيطق منها الكلام وتقولها.

“أنا حامل!”

الكلمات كانت على طرف لسانها.. بس مسكت نفسها. يوسف هو أول واحد لازم يعرف، السر ده بتاعهم هما وبس.

​بسنت قربت منها وقالت بفضول: “وشك أصفر كده ليه؟ أنتِ خايفة؟”

آية اعترفت: “شوية صراحة.”

​بسنت ابتسمت وشالت شعرة مش موجودة من على روب آية: “متخافيش يا بنتي، يوسف هيتجن أول ما يشوفك.”

وش آية احمر: “تفتكري؟”

​بسنت لوت بوقها وضحكت: “يا بنتي ده عارف ومقضيها إنه كسب ورقة اللوتاري لما وقعك!”

بس في حاجة لمعت في عين بسنت وهي بتقول الجملة دي.. حاجة اختفت بسرعة لدرجة إن آية لمحاها بالعافية. زي ضل، أو قفشة ضيق حولين بوقها.

​”بسنت؟”

بسنت ردت بسرعة زيادة عن اللزوم: “إيه في إيه؟”

آية هزت راسها: “ولا حاجة.. مش قادرة أصدق إن اليوم جه خلاص.”

بسنت أخدتها في حضنها: “جه يا حبيبتي، جه.”

​آية حضنتها وقفلت عينيها.

الأوضة حواليهم كانت تشرح القلب وتحسسك بالفخامة والهدوء. فستان الفرح كان متعلق جمب الشباك، الدانتيل بتاعه بينور مع شمس الصبح. الورد الأبيض مالي الفازات الكريستال. وعلى الترابيزة، كانت ورقة المأذون والوعود اللي كاتباها مطوية جمب الحلق اللولي بتاعها. كل تفصيلة مترتبة بقالها شهور؛ كل وردة، كل أغنية، كل كارت دعوة.

​كل حاجة كانت مثالية.. أو على الأقل، ده اللي كان باين.

​بعد ساعة، آية كانت قاعدة قدام التسريحة والميكب آرتيست بتحط لها الهايلايتر على خدودها. فجأة تليفونها اتهز على الترابيزة.

​يوسف: مش قادر أستنى أشوفك وأنتِ ماشية في الممر وجاية عليا.

​قلب آية داب.

كتبت له: أرجوك متخلينيش أعيط قبل ما نكتب الكتاب.

​الرد جه في ثواني.

يوسف: مقدرش أوعدك يا مدام يوسف.

​”مدام يوسف”.. آية فضلت تبص للكلمة لحد ما عينيها زغللت بالدموع.

كانت خلاص هتقوم تجري تجيب اختبار الحمل من الشنطة وتروحله حالاً، بس مسكت نفسها وقعدت هادية والكوافير بيثبت شعرها الغامق في فورمة واطية وشيك.

​على الضهر، الجناح اتقلب لخلية نحل.. ريحة برفيوم، وسبريه شعر، وضحك متوتر. الصاحبات طالعين داخلين، والمصور عمال يلقط صور “كانديد” طبيعية. ومامة آية، طنط دينا، عيطت تلات مرات ورا بعض قبل ما آية تلبس الفستان حتى!

​وبعد الساعة واحدة بشوية، آية افتكرت إنها مش لاقية الورقة اللي كاتبة فيها كلماتها ليوسف.

قلبت التسريحة، الترابيزة، جيوب الروب.. مفيش!

​”بتدوري على دول؟” بسنت قالتها وهي رافعة الورقة المطبقة من على حرف الشباك.

آية أخدت نفسها بأعصاب تعبانة: “يا بنتي أنتِ أنقذتي حياتي!”

بسنت قالت بهزار خفيف: “عارفة.. من غيري كنتِ هتضيعي.”

​آية ابتسمت، بس نبرة صوت بسنت المرة دي رنت في ودنها بشكل غريب وغير مريح.

​في اللحظة دي، ظهرت مصممة الأفراح عند الباب واللاسلكي في ودنها: “يا آية، قدامنا بالظبط 45 دقيقة. العربيات تحت. زفة يوسف وأصحابه مشيوا خلاص على القاعة، ما عدا يوسف وأحمد صاحبه، بيخلصوا حاجة مع المأذون.”

​آية استغربت: “يوسف لسه هنا؟”

المصممة قالت: “آه تحت في الصالون الخاص، وهيتحرك كمان 10 دقائق.”

​فكرة لمعت في دماغ آية..

طب ما تروح تشوفه دقيقة واحدة؟ مش لازم يشوفها بالفستان عشان “الفرست لوك” والتقاليد اللي الكل أصر عليها، بس ممكن تقف ورا الباب وتسمع صوته.. يمكن ده يهدي ضربات قلبها السريعة. أو يمكن تلمح له إن فيه مفاجأة مستنياه بليل.

​آية قالت: “أنا محتاجة دقيقة واحدة لوحدي.”

بسنت لفت: “رايحة فين؟”

“هتنفّس بس.”

“آية، الفستان بتاعك…”

“لسه ملبستوش.” آية لمت الروب عليها جامد: “ثواني وراجعة.”

​وخرجت للممر بسرعة قبل ما حد يوقفها.

​الممر بتاع الفندق كان هادي جداً مقارنة بالدوشة اللي في الجناح. السجاد الثقيل كان بيكتم صوت خطواتها. الصالون الخاص كان تحت ورا باب خشب غامق جمب أسانسير القاعة. آية كانت حافظة السكة لأنها جات هنا مع يوسف مرتين وهي بتعاين المكان.

​أول ما قربت من الناحية التانية للممر، سمعت صوت ضحك.

ضحكة يوسف.

​ابتسمت لوحدها وبدأت تبطأ خطواتها..

بس فجأة، سمعت صوت “أحمد” صاحبه وهو بيقول:

“يا صاحبي.. أنا دايماً مش مصدق إنك بجد هتعمل كده وتدبس الدبسة دي!”

​آية وقفت مكانها متثبتة.

باب الصالون مكنش مقفول للآخر.. كان موارب سنة صغيرة، ومطلع خط نور دافي على أرضية الممر.

​وسمعت صوت يوسف وهو بيضحك بسخرية وبيقول: “ليه يا بني.. هو أنا يعني هبقى متجوز بجد؟”

روايــات_مشـيره_مـحمد

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *