كامله لمشيره محمد
مشيره محمد
روايات مشيره محمد
الجزء الثاني والأخير — اللعنة والتنفس الأخير
”ماما… ما تمسكيهوش… هو زعلان مني.”
الكلمات طلعت من بين شفايف مريم زي النسمة المسمومة. الأوضة كلها اتجمدت، حتى المية اللي كانت بتدفق من الكوباية اتقطعت قطراتها على حافة الترابيزة وكأن الزمان نفسه وقف مشنوق.
مسز هدى رجعت خطوتين لورا، دراعاتها اتيبست وجسمها خبط في مكتب السجلات. الملفات اترمّت على الأرض، والورق المبلول اتبعثر، بس محدش فينا بص تحت رجليه. عيوننا احنا الاتنين كانت مزروعة على رقبة مريم.
الخط الأسود ماكانش مجرد شخبطة أو علامة.
كان بيتحرك… ببطء، زي دود أعمى بيمشي تحت الجلد.
الجلد في الحتة دي كان مشدود لدرجة إن الشرايين الصغيرة كانت باينة ومزرقة، والخط الأسود بيلتف حوالين رقبتها من الشمال لليمين، زي حبل مشنقة مخفي بيتخيط جوة جسمها من أول وجديد.
”مريم…” أنا صوتي ماكانش طالع، كان طالع زي ما أكون ببلع زجاج مكسور. “إيه ده يا حبيبتي؟ مين عمل فيكي كده؟”
مسكت كتافها بشويش خالص، كأني خايفة لو لمستها بقوة تتكسر في إيدي. مريم هزت رأسها بالراحة، والدموع نزلت من عينيها ساخنة، لما الدموع لمست الخط الأسود عند دقنها، طلع صوت هسيس واطي… زي نقطة مية بتنزل على صاج سخن!
مريم اتوجعت وصرخت صرخة مكتومة: “آه! بيتحرق لما أعيط يا ماما! هو قالي ما أعيطش!”
الممرضة هدى كانت بتنهد بسرعة، أيدها على زgroupها وهي مش قادرة تتنفس. “سارة… دي… دي مش حاجة طبية… أنا… أنا هطلب الإسعاف… لأ، هطلب الشرطة!”
”شرطة إيه وإسعاف إيه يا هدى?!” أنا زعقت فيها والهلع كان خلاص غطى على أي تفكير عقلاني في دماغي. “بنتي رقبتها بتتسود وتتحرك قدامنا وانتِ واقفة تتمتمي?!”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بهدوء شديد.
السكرتيرة والمدرسة اللي كانوا واقفين برة ما دخلواش، لكن دخل رجل عكاز معدن في إيده، رجل أصلع وعينيه زايغة، الأستاذ عبد الرحيم، مدير المدرسة اللي كان فاضل له شهرين ويطلع معاش. أول ما دخل الأوضة، الريحة اتغيرت.
ريحة الورد المجفف والمطهرات اختفت، وحل محلها ريحة طين مبلول ومقابر قديمة.
مدير المدرسة بص على رقبة مريم، وما اندهشوش. وشها أبيض، وأيديه اللي ماسكة العكاز اترعشت، بس النظرة في عينيه كانت نظرة واحد عارف… واحد كان خايف من اللحظة دي بقاله سنين.
”قفلوا الباب…” الأستاذ عبد الرحيم قالها بصوت واطي ومبحوح. “سارة… قفلي الباب وشدّي الستارة فوراً.”
”انت عارف إيه ده؟” أنا قمت وقفت قدامه، جسمي كله كان بيرتجف من الغضب والرعب. “ابنتي فيها إيه؟ انتوا عملتوا إيه في المدرسة دي?!”
”أنا ما عملتش حاجة!” المدير اتكلم بصوت شاحب، وقرب من مريم بحذر كأنه يقرب من قنبلة موقوتة. “بس البنت دي… مريم… لعبت في الحوش الوراني يوم الجمعة اللي فاتت لما كان فيه النشاط الكشفي؟”
مريم هزت رأسها وهي بتشهق: “أنا… أنا وقعت عروستي ورا شجرة التوت القديمة…”
المدير غمض عينيه وجز على سنانه: “الشجرة اللي ورا الشور… الشجرة دي ماحدش بيقرب منها من سنة 1994… من يوم ما البنت نورا اختفت.”
الأوضة بقت ابرد من التلاجة. الممرضة هدى قعدت على الكرسي ورجليها مش شايلاها: “نورا؟ نورا مين يا سيادة المدير؟ القصة القديمة دي مجرد إشاعة…”
”مش إشاعة!” الأستاذ عبد الرحيم اتكلم بصرامة وهو بيبص للممرضة. “البنت نورا ماتت خنقاً ورا الشجرة دي من تلاتين سنة، وما حدش لقى اللي خنقها! والشرطة قفلت الملف! بس الشجرة… الجذور بتاعتها كانت شاربة كل الغل والرعب بتاع البنت وهي بتتخنق!”
أنا مسكت مريم وحضنتها لصدري جامد، لكن مريم زقتني بالراحة وهي بتتألم: “ماما… بلاش… هو بيزيد لما تقربي مني… هو عايزني لوحدي.”
بصيت تحت دقنها تاني. الخط الأسود كان كبر! بقى أعرض، وبقت تطلع منه خيوط سودا صغيرة نازلة ناحية صدرها وطالعة ناحية فكها، زي جذور شجرة بتزرع نفسها جوة لحم بنتي!
”يعني إيه الكلام الفارغ ده?!” أنا صرخت والدموع مغرقة وشي. “احنا في سنة 2026! انتوا بتقولوا إيه?! بنتي تموت قدامي وانتوا بتحكولي خرافات ومقابر?!”
طلعت الموبايل عشان أطلب 123 (الإسعاف)، بس أول ما شاشة الموبايل نورت، الشاشة اتملت خطوط سودا وتهنيج، والصوت اللي طلع من سماعة التليفون ماكانش صوت حرارة… كان صوت نفس متقطع ومخنوق… نفس زي اللي بيطلع من حد بيتشنق!
وفجأة… الموبايل فرقع في إيدي والشرار طار في الأوضة!
رميت الموبايل على الأرض وأنا بصرخ، مريم صرخت معايا، بس صرختها ماكانتوش صرخة طفلة… كان فيه صوت تاني متداخل مع صوتها، صوت بنت تانية… أعمق وأبرد، طالع من جوة حنجرتها!
”هي مش هتسيب المدرسة…” الصوت المتداخل قالها من بؤ مريم. “هي أخدت مكاني…”
الممرضة هدى بدأت تدعي وتصرخ، والمدير مسك العكاز بتاعه وبيحاول يقرأ أي حاجة حافظها من القرآن، بس نبرة صوته كانت مهزوزة ومكسورة من الخوف.
أنا نزلت على ركبي تاني، مسكت وش مريم بين إيديا. بصيت في عينيها… نني عين بنتي الصافي كان بيختفي، وكان بيحل محله سواد كامل، زي حبر مدلوق في مية.
”مريم!” أنا زعقت بكل القوة اللي فاضلة في روح أم مجهدة ومكسورة. “بصيلي يا مريم! أنا ماما! افتكري ماما يا حبيبتي! افتكري لما كنا بنغني في العربية ونروح نجيب آيس كريم! افتكري صباح كل يوم لما كنتي بتحضنيني قبل ما تنزلي!”
مريم كانت بتترعش، فكها كان بيتزق لفوق ولتحت كأن فيه يد خفية ماسكة فكها من جوة وبتحاول تكسره.
”ماما…” الصوت الصغير بتاعها رجع يظهر تاني لحظة. “الحبل… الحبل بيشد…”
”مافيش حبل يا مريم!” أنا صرخت وجريت على المكتب، مسكت مقص من بتوع الإسعافات الأولية. الممرضة هدى صرخت: “سارة انتِ بتعملي إيه?!”
”أنا هقطعه!”
”انتِ مجنونة?! ده جلد بنتك!” المدير مسك دراعي.
زقيت المدير بكل قوتي، وقربت من مريم. الخط الأسود كان خلاص بقى بارز عن الجلد، زي حبل قطن أسود مجدول ومحفور تحت الدقن مباشرة. مريم كانت عينها بتتجوف لفوق، والنفس بدأ يتقطع منها تماماً. شفايفها زرقِت، وأيديها الصغيرة بدأت تسترخي وتطيح على جنبها.
كان فاضل ثواني وبنتي تروح مني.
ماكانش عندي وقت أفكر، ولا وقت أحلل.
مسكت المقص، وقربت السن المعدن من الخط الأسود. مريم طلعت صرخة مكتومة هزت شبابيك الأوضة، والورق اللي على الحيطة يطير في الهواء كأن فيه عاصفة جوة الأوضة المقفولة!
أول ما سن المقص لمس الخط الأسود…
الخط ماكانش جلد!
الخط كان طالع منه مادة لزجة سودا زي الزيت المترسب، والمقص اتجمد في إيدي وكأن مسكت خرسانة!
فجأة، الأوضة اتملت بصوت ضحك طفلة… ضحكة مش بتاعة مريم. ضحكة شريرة ومكسورة ومربكة.
”هي بتاعتي دلوقتي…” الصوت جه من أركان الأوضة كلها. “محدش أنقذني لما كنت بصرح… محدش بص تحت دقني لما كنت بموت…”
في اللحظة دي، فهمت.
السر ماكانش في الخوف… السر كان في الإهمال.
الشيء ده… الروح دي… اللعنة دي بتتغذى على الأوقات اللي احنا كآباء وأمهات بنطنش فيها ولادنا! على كل مرة بنقول فيها “بتأفور”، على كل مرة بنقول فيها “بتمثل عشان تزوغ من المدرسة”، على كل مرة بنقدم فيها الشغل والفواتير على وجع صغير في عينين ولادنا!
الروح دي كبرت في المسافة اللي بين شكي واهتمامي!
رميت المقص من إيدي.
”أنا آسفة…” أنا قلتها وأنا بحضن مريم بأقوى ما عندي.
ما خفتش من الريحة اللزجة، ولا من البرودة الميتة اللي كانت طالعة من جسمها.
حضنتها وجريت شفايفي على الخد المتلج وبستها تحت دقنها، في الموضع المظلم اللي الخط الأسود حافره.
”أنا آسفة يا مريم…” بكيت بكاء مر، كل دمعة كانت بتنزل من عيني كانت بتنزل على رقبتها. “آسفة إني تأخرت… آسفة إني استخسرت فيكي الدقيقة اللي أسمعك فيها… آسفة إني صدقت السجلات والورق وما صدقتكيش انتِ! أنا السبب… خذلتك يا بنتي… خذلتك!”
الدموع الصادقة بتاعة ندم الأم ماكانتش مية… كانت الحقيقة الوحيدة في الأوضة دي.
لما دموعي نزلت على الخط الأسود المرة دي… المادة السودا بدأت تدخن.
مريم صرخت صرخة طويلة، بس المرة دي الصوت المتداخل كان بيصرخ معذب!
”أنا شايفاكي يا مريم…” أنا همست في ودن بنتي وأنا ماسكة رقبتها بإيديا الاتنين، بحاول أغطي الخط الأسود بإيديا، بحاول أكون السد بينها وبين الظلام. “أنا شايفاكي وعارفاكي وماحدش بياخد بنتي مني! أنا مصدقاكي يا مريم… مصدقاكي في كل كلمة!”
المدير والممرضة كانوا واقفين متجمدين وبيتفرجوا.
الخيوط السودا بدأت تتسحب لورا!
زي الجذور لما تتقطع عنها المية والأكسجين، الخط الأسود البارز بدأ يكمش، يتراجع، ويدوب زي الدخان الأسود في الهواء!
مريم أخدت شهقة طويلة وعميقة… نفس كبـير زي واحد كان بيغرق تحت المية لمدة ساعة وأخيراً طلع لوش الأرض!
”مااااااااماااااا!”
مريم صرخت بصوتها الأصلي، صوتها الناعم الصغير، وترمت في حضني، حاطة وشها في رقبتي وبتبكي كأنها طفلة لسه مولودة.
الأوضة سكتت.