خطة رجوع

مشيره محمد

رأفت وشّه اتغيّر للون الأحمر مكتوم، وعروق رقابته برزت وهو بيحط كاس العصير على الترابيزة بـ رزعة خلت الإزاز يرن:

— “إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا إيمان؟ خرب بيتكم إيه وكلام فارغ إيه؟ إنتي شكلك نسيطي نفسك ونسيتي بتمشي من باب بيت مين!”

​أمّي مسكت دراعه بلهفة، بس مكنتش لهفة الست اللي بتهدّي جوزها، دي كانت لهفة الممثل اللي خايف المخرج يوقف المشهد قبل ما ياخد اللقطة بتاعته. بصلتي بعيون فيها دموع ناشفة، من غير أي لمعة ندم:

— “إيمان.. يا حبيبتي، افهمينا بس! إنتي حاسباها غلط. نادين مش غريبة، نادين أختك! ورأفت هو اللي فتح لك البيت ده وضمّك لما كنتي طفلة مش فاهمة حاجة. إحنا مش بنسرقك، إحنا بنحمي العيلة!”

​ضحكت تاني، بس المرة دي الضحكة خرجت من حنجرتي زايغة، حامية زي لحام النار:

— “تضمنوا لها الأمان؟ بتوزعوا ورث الحاجة هدى عشان تضمنوا الأمان لبنت رأفت؟ هي الحاجة هدى كانت أمها ولا أمك إنتي؟ ولا هي اللي شالت قرفكم سنين لما إنتي مشيتي ورا شهوتك وسبتيني وأنا عندي 14 سنة؟”

​نادين، البرنسيسة اللي كانت طول العزومة بتمثل إنها البنت الكيوت الوديعة، اتعدلت في وقفتها ورمت الشوكة في الطبق بصوت يرن في الصالة كلها. وشّها الملاكي اتبدّل بوش تاني خالص.. وش لئيم، بارد، مليان كره مكتوم من سنين:

— “بقولك إيه يا شاطرة! بلاش دور الضحية اللي عايشة فيه ده! إنتي فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إن شقة في المهندسين كتير عليا؟ بابا طول عمره بيصرف عليكي وبيتحملك وإنتي جاية دلوقتي تعملي فيها الشريفة العفيفة؟ الشقة دي لو أخدت نصها يبقى ده أقل واجب عن السنين اللي قرفتينا فيها بوجودك!”

​وقفت من مكاني. الرعب اللي كان بيجيني وأنا صغيرة من صوت رأفت أو نظرات نادين اختفى تماماً. اتستبدل ببرود يخوف، برود شبيه برطوبة الجدران القديمة. بصيت لـ “دينا”.. أمي:

— “سمعتي يا دينا؟ سمعتي بنت جوزك بتقول إيه؟ ده الكلام اللي اتفقتوا عليه في المطبخ قبل ما أنزل؟”

​دينا بصت للأرض، فركت إيديها في بعضها، وبصوت واطي ومتردد قالت:

— “يا إيمان.. نادين عليها ديون.. ديون كبيرة في الشركة بتاعتها، ولو مجمعتش المبلغ ده خلال شهرين، رأفت هيتسجن ونادين هتدخل السجن معاها. يرضيكي أمك تتشرد في آخر عمرها؟ يرضيكي رأفت اللي سترك وشالك يروح في داهية؟ الشقة كبيرة عليكي لوحدك، إنتي بنوته ومش محتاجة كل ده.. بيعي النص لـ نادين أو سجليه باسمها وإحنا هناخد بيه قرض من البنك نسدد بيه الديون.. إنتي هتنقذي عيلتك!”

​هنا بقى.. الخريطة كلها وضحت.

مكنش فيه تقدم، مكنش فيه “صفحة جديدة”، مكنش فيه أم حنّت لبنتها بعد 15 سنة.

كل العزومات السطحية، كل الاتصالات اللي كانت في أنصاص الليالي تقول لي فيها “وحشتيني يا إيمان”، كل الهدايا الرخيصة اللي كانت بتجيبهالي في عيد ميلادي.. كانت مجرد “استثمار”. كانت بتبني كوبري عشان تعدي بيه على شقة المهندسين، عشان تنقذ بيتها الجديد اللي بيقع، حتى لو ده معناه إنها تعرّيني وتسيبني في الشارع.

​قربت من رأفت، كان وافق بياكل في نفسه، بيبص لي بحقد راجل اتكشف مسرحه الرخيص.

— “ديون؟” قلتها وأنا بهز رأسي بالبطيء. “ديون نادين اللي كانت بتسافر بيها دبي كل شهر عشان تتفسح وتتصور؟ ديون الشركة اللي رأفت عملها لها عشان يعملها هانم على قفا الناس؟ وعايزين سداد الديون ده يبقى من دم الحاجة هدى؟ من الشقة اللي جدتي حرمت نفسها عشان تؤمّن لي بكرة بعد ما إنتي رميتيني؟”

​رأفت قرب مني خطوة، وصوت كان طالع زي حسيس الأفعى:

— “اسمعي يا بت إنتي! الكلام ده تبلّيه وتشربي ميته. الشقة دي مش هتروح لـ ابن المنسي.. الشقة دي دينا ليها فيها حق، وإنتي لو ما جيتيش بالذوق، هناخدها بالعافية. إحنا معانا محامي شاطر ويقدر يطعن في وصية جدتك، وهنطلعك من الشقة دي بملابسك اللي عليك، فهمتي ولا لأ؟”

​— “ابن المنسي؟” كبّرت حروفي وأنا ببص له في عينه مباشرة. “ابن المنسي ده هو الراجل اللي لما اكتشف خيانتكم، مشي بكرامته ورباني، ومات وهو رافع رأسه، ما مدش إيده لقرش مش حقه، ولا عاش يلحس جزم عشان يعمل قرشين. إنت فاكر إنك بتخوفني بالمحامي؟”

​طلعت تلفوني من شنطتي بالراحة. فتحت تسجيل الصوت اللي كان شغال من أول ما قعدت على السفرة.

الهدوء ساد الأوضة فجأة.. زردة الموت نزلت على وشوشهم التلاتة.

​— “التسجيل ده،” قلت بجهورية هادية، “فيه كل كلمة اتقالت الليلة دي. فيه اعترافكم بإنكم عايزين تاخدوا الشقة عشان تسددوا ديون ونصب، وفيه تهديدك ليا يا رأفت، وفيه كلام دينا عن وصية جدتي. التسجيل ده بكرة الصبح هيكون عند المحامي بتاعي، وقبل الظهر هيكون عند القاضي في قضية التهديد والابتزاز اللي هرفعها عليكم.”

​دينا صرخت بصوت مكتوم وجات تجري عليا، مسكت في إيدي بصوابعها المرتعشة:

— “إيمان! إنتي هتعملي كده في أمك؟ ه تفضحينا؟ إنتي اتجننتي؟ ده أنا أمك اللي ولادتك!”

​نفضت إيدها عني بقوة خلتها ترجع خطوات لورا. بصيت في عينيها بثبات عمري ما حسيت بيه في حياتي كلها:

— “أمّي؟ أمّي ماتت من 15 سنة يا دينا. ماتت لما قفلتي الباب وراكي ومشيتي مع الراجل ده وسبتي طفلة عندها 14 سنة تسأل نفسها كل يوم بالليل: هو أنا وحشة للدرجة دي عشان أمي تسيبني؟ أمي كانت الحاجة هدى.. الست اللي ماتت وهي بتوصيني أرقب ظهري منك، لأنها كانت عارفة إنك هترجعي في يوم عشان تنهبي اللي فاضل مني.”

​نادين صرخت بغل:

— “غوري في داهية! إنتي فاكرة نفسك إيه؟ الشقة دي مش هتفرحي بيها، هنطلع عينك!”

​بصيت لـ نادين بابتسامة شفقة:

— “السجن مش بعيد يا نادين.. الشيكات اللي عليكي والأحكام اللي نازلة ضدك في المحكمة إحنا عارفينها كويس. المحامي بتاعي جاب لي كشف بحساباتكم وديونكم من أسبوعين.. من أول ما أمك بدأت تتمسكن وتيجي تزورني.”

​الكلمة نزل عليهم زي الصاعقة.

رأفت اتراجع لورا، وشّه بقى أصفر زي الورق القديم. دينا بصلتي بذهول، كأنها بتكتشف لأول مرة إن الطفلة اللي سابتها زمان كبرت وبقت قادرة تدوس على أوهامهم.

​مسكت شنطتي، لفتها على كتفي بالراحة، ومشيت ناحية الباب. وقفت عند العتبة، وبصيت لـ دينا اللي كانت واقفة بتعيط بجد المرة دي.. بس مش عليا، كانت بتعيط على الخطة اللي اتدمرت وعلى السجن اللي بيبص لـ جوزها وبنت جوزها من خرم الباب.

​— “عزومة العشا كانت جميلة يا دينا.. والعصير كان حلو أوي. بس التمثيلية كانت رخيصة أوي زي صاحبها. من النهاردة، اسمي مش مرتبط بيكي، ولو شفت حد فيكم قريّب من باب شقة جدتي، التسجيل ده هيكون في النيابة، وغير التهديد، هفتح ملفات الشراكة القديمة بتاعة رأفت اللي اتقفلت بـ الشبهات.”

​فتحت الباب وخرجت.

الشارع كان فاضي والجو كان براد. الهواء النقي ضرب في وشي، ولأول مرة من 15 سنة، حسيت إني قادرة أتنفس بجد. الصدر اللي كان مقفول بوزن جبل من الشكوك والوجع، اتفتح على وسعه.

​ركبت عربيتي، حطيت الإيدين على الدركسيون، وافتكرت بابا الله يرحمه في ليلة الكريسماس القديمة.. وافتكرت الحاجة هدى وهي بتكتب لي الجواب بإيدها المرتعشة: “يا إيمان يا بنتي، الحق ما بيضيعش، بس محتاج صاحب حق يقف على حيله وميخافش.”

​شغّلت العربية، وبصيت في المراية.. شفت انعكاس عيوني. مكنتش عيون البنت المكسورة اللي اتسابت زمان، كانت عيون ست عرفت تاخد حقها، وتحمي ورث الست الوحيدة اللي أحبتها بصدق. ومشت العربية في شوارع القاهرة، والدنيا ورايا كانت بتصغر، وكل الخيانة والأقنعة الوسخة اتبخرت في زحمة الليل.

تمت مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *