الحصان
أبوها رماها في الصحراء عشان جابت بنت والشمس يومها ما كانتش بتهزر ضر…بت الرمل نار وخَلّت الصحرا كأنها فرن مفتوح والهوا نفسه كان بيحرق الجلد وسط السكون اللي بقاله آلاف السنين طلع صوت فجأة مش صوت حيوان ولا حد تايه ده كان عياط طفلة لسه مولودة ملفوفة في خرقة قديمة مترمية تحت شجرة يابسة ما بتديش ظل من شوية بس كان في راجل طويل قلبه ناشف ركب حصانه ومشي من غير ما يبص وراه قال وهو سايبها ملهاش لازمة كان مستني ولد وارث اسم قوة لكن اللي جت كانت بنت وفي دماغه دي كانت غلطة ما تتغفرش سابها هناك مقتنع إن العطش أو الوحوش هيخلصوا عليها وإن الصحرا هتمسح أثرها للأبد بس نسي حاجة واحدة الصحرا مش دايمًا بتقـ,ـتل أحيانًا بتحمي من بعيد وسط السراب ظهر جسم أبيض مش خيال حصان حصان وحيد شعره مليان تراب وعلى ضهره جروح قديمة الناس كانت بتسميه نيبلة حصان ما كانش ليه صاحب وما بيحبش البشر أول ما سمع العياط وقف نزل من فوق الكثبان واحدة واحدة قرب من الطفلة شَمّ الهوا وطّى راسه الكبير وبحركة هادية ما تصدقش على حجمه قعد جنبها وعمل بجسمه ضل حاميها من الشمس والساعات عدّت والحصان ما اتحركش الطفلة بدأت تبص حواليها عيونها لسه صغيرة لكنها حسّت بالأمان والدفا من جسمه الكبير والشامخ رغم كل الجروح اللي عليه بدأت تتصغر الدموع على وشها لما حسّت بلمسة الهواء اللي حواليها من الشمس العاتية نيبلة ظل واقف جمبها
كأنه واقف يحرسها من كل حاجة من الوحوش من العطش من البشر اللي قلبهم ناشف والليل جه والحرارة قلّت والنجوم نزلت تزور الصحرا لأول مرة في حياتها شعرت الطفلة بالراحة وبحاجة غريبة اسمها الحياة والحصان حرك راسه وكأنه بيقول لها متخافيش مش هسيبك ومرت الأيام والشهور والطفلة كبرت وسط الصحراء الحصان نيبلة جنبها طول الوقت علمها تمشي على الرمل الحار وتاخد المية من النبع المخفي بين الكثبان وعلمها تسمع صوت الرياح وتعرف لو في خطر قريب كل حيوانات الصحرا بقيت تعرفها وتحميها زيها هي والحصان بقوا أسطورة صغيرة في قلب الرمال الطفلة اتعلمت تمشي على ظهره وتعرف تحمي نفسها لو حصل أي خطر والأيام كبرت فيها الطفلة والحصان مع بعض لحد ما بقت شبه بعض قويّة وشجاعة وأصبحت تحمي نفسها لوحدها لكن نيبلة فضل واقف جنبها يحرسها من بعيد وفي يوم من الأيام راجع أبوها اللي رماها وجاب جيش ولقى آثارها في الصحرا ومحدش يعرف إزاي وصلت الطفلة المليانة قوة وشجاعة وغضب من اللي حصل ووقفت قدام أبوها عينها مليانة نار مش خوف الأب اتفاجئ من القوة اللي جواها ومن النور اللي حوالينها ومن الحصان الأبيض اللي ظهر فجأة قدام الجيش كله نيبلة حمى الطفلة ووقف قدام أي خطر والجيش انسحب والطفلة عرفت إن الصحرا مش بس رمال وعطش بل كمان حياة وحماية وبدأت تبني لنفسها حياة جديدة وسط الكثبان الحارّة مع الحصان اللي بقوا أبطالها وقصتها
انتشرت بين الناس عن الطفلة اللي نجت من الصحرا والحصان اللي اختارها وأصبحت أسطورة تحكي عن الشجاعة والحماية والوفاء بين البشر والحيوانات والصحراء نفسها اللي أحيانًا بتقتـ,ـل وأحيانًا بتحمي والحياة كانت طويلة وصعبة لكن الطفلة والحصان عاشوا مع بعض وكبروا مع بعض وتعلموا إن القوة مش بس في الاسم أو المال أو الانتساب بل في الشجاعة والوفاء والحب الغريب اللي بين الطفلة والحصان الأبيض وسط بحر الرمال اللا نهائي
الصحرا كبرت معاهم، مش بس رمل وحجر، بقوا يحسّوا بيها كأنها كائن حي، كل كثبان لها قلب وكل نسمة هواء لها روح والطاحونة القديمة اللي جنب النبع كانت زي ساكنة معاهم، الطفلة اللي بقت عندها خمس سنين بدأت تتعلم كل أسرار الصحرا نيبلة جنبها طول الوقت، شعره الأبيض مليان تراب وجروحه القديمة تحكي عن معارك قديمة هو مش بس حصان، ده معلم، حامي، صديق، وحتى أحيانًا كأنه أمها وأخوها في نفس الوقت. كل صباح، الشمس تطلع والحرارة تعلّي، الطفلة تطلع على ظهر نيبلة والنسيم يحرك شعرها وهي تتعلم تفرق بين الرمل اللي حار والرمل اللي يبرد بين الكثبان، كل صوت في الصحرا كان له معنى صوت الرياح اللي تمر بين الصخور الكبيرة صوت عواء الذئاب البعيدة صوت الطيور الصحراوية اللي تلمح من بعيد، نيبلة كان يفسر لها كل صوت ويعلمها الصبر والهدوء والذكاء.
الليالي كانت سحر، النجوم كانت زي آلاف العيون اللي تراقبهم
