هديه مخيفة
في عيد ميلادي، أهلي بعتولي “هدية” في علبة كرتون بني عادي خالص. أول ما كريم، جوزي، شاف الليبل، وشه اتغير كله.
قاللي: “متفتحيش.”
أنا افتكرت إنه بيبالغ… لحد ما ماما اتصلت، سألت إذا وصل ولا لأ، وقالت جملة واحدة عمرها ما قالتهالي قبل كده في حياتي كلها. ساعتها عرفت إن العلبة دي مش هدية. دي فخ.
كريم ما رفعش صوته وهو بيقولها.
ولا حتى باين عليه متضايق.
كان واقف في المطبخ بتاعنا على كوسيه، ولسه ريحته فيها شوية قهوة وعجينة البانكيك، شايل علبة كرتون بني عادي كأنها تقيلة أوي. ضوء الصبح كان نازل على الرخامة في المطبخ بطريقة هادية كده، تخليك تحس إن مفيش حاجة وحشة ممكن تحصل قبل الضهر.
بعدين بصلي وقاللي بهدوء شديد:
“متفتحيش.”
ضحكت.
مش عشان الموضوع مضحك، لكن دماغي حاولت تخلي جدّيته حاجة عادية.
سألته: “ليه؟ إيه؟ فاكرها ملعونة؟”
كريم مبتسمش، مبتفكّرش، ومابعملش أي حاجه من حركات الجواز اللي الناس بتعملها عشان تخفف الجو. بس بسّط راسه ناحية الليبل وقال:
“بصي كويس، لو سمحتي.”
ولما بصيت، قلبي وقع.
أنا اسمي رنا حسام، لكن في عيلتي، نادوني تقريبًا عمرهم ما نادوني رنا. كانوا بينادوني “رينو”، اسم دلع اختي الصغيرة اخترعته وهي عندها سنتين ومابتعرفش تقول اسمي صح. أهلي كملوا ينادوني كده عشان يحسسوني إني أصغر وأقل جدية.
جوزي بيناديني “رنا”، كأني ماسكة حاجة دافية. مشيره محمد
ماما بيناديني “رونا” لما عايزة حاجة.
أنا عندي 34 سنة. بيتي هادي وفيه أرجوحة على البلكونة، حديقة أعشاب صغيرة بأنسى أسقيها، وجوزي كريم، اللي بياخد طلبي في القهوة أكتر من أهلي ما اهتموا بمشاعري. حياتي باهتة شوية حسب الناس.
بس أنا بحبها كده.
مش بحب أعياد الميلاد. مافيش حفلات، مافيش بالونات، مافيش “ملكة العيد ميلاد” كلام فارغ. عادة كريم بيجيبلي شوكولاتة من عند الكاشير، يبوس جبيني، ويقول حاجة سخيفة زي: “عيد ميلاد سعيد لمراتي الناضجة جدًا”، بصوت يخليك عايز ترمي عليه مخدة.
ده كفاية بالنسبة لي.
السلام هو هديتي المفضلة.
يوم قبل عيد ميلادي، ماما اتصلت بصوت أحلى من الطبيعي وقالت:
“حبيبتي، بعتنا لك مفاجأة صغيرة. هتوصل بالظبط في ميعادها.”
الظبط في ميعادها؟
يعني إيه؟ أهلي عمرهم ما وصلوا في ميعادهم لأي حاجة ما كانتش تخص أختي الصغيرة إيمي.
أنا عملت صوت محايد وقلت: “أوكي، شكرًا.”
وبعدين ضحكت ماما…
ماما عمرها مبتضحكش. ماما عادة تتنهد، تنتقد، وتتكلّم بصوت مهذب يقولك: إنت معقولة وبتصعّبي الموضوع.
قالت: “مش حاجة كبيرة. بس حاجة بسيطة مننا.”
كلمة “حب” وقعت غريبة. مش عشان أهلي وحوش. لا، الحياة أعقد من كده. لكن في بيتنا، الحب كان معناه حاجة تانية. يعني ما تعملش مشاكل، سيبي إيمي تاخد كل حاجة، ابتسمي لو حاجة وجعتك عشان محدش يتحرج.
بس جزء غبي صغير فيا سمع صوتها ورفع راسه وقال:
يمكن بيحاولوا.
ماكانوش.
يوم عيد ميلادي، كريم عمل بانكيك حلو جدًا، جابلي قهوة في السرير، وبوس جبيني، ورد على مكالمة شغل سريعة وأنا تحت البطانية مستمتعة بالهدوء. المروحة فوق بتعمل همهمة هادية، الغرفة دافية وآمنة وعادية.
افتكرت: ده كفاية. ده كويس.
بعدين رن الجرس.
كريم نزل. سمعت الباب اتفتح، بعدين رجع خطواته تقيلة أكتر.
لما دخلت المطبخ، كان واقف عند الرخامة، شايل العلبة.
مفيش شريط، مفيش كارت، مفيش ورق تزيين. مجرد كرتون بني عادي مختوم، كأن اللي عبّاه اهتم أكتر بطريقة التعبئة من الناس نفسها.
قلت: “دي من أهلي.”
كريم مبتكلمش، كان بيبص على الليبل كأنه مهان.
قلت: “ماما اتصلت امبارح وقالت بعتوا حاجة.”
ساعتها بصلي وقال:
“لسه. متفتحيش.”
ضحكت تاني، بس المرة دي الضحكة كانت ضعيفة.
لما بصيت على الليبل، مافيش أي خط يدوي. كله مطبوع: اسمي، عنواننا، أرقام تتبع، باركود، والعنوان للرجوع— صندوق بريد. مش شارع أهلي، مش مدينتهم، مش ولايتهم.
إحساس ساقع بدأ يطلع في ضهري.
كريم قرب لمس الشريط وقال:
“شايفاه؟”
في البداية ماكنتش شايفة، بعدين شفته. ختم المخزن الخفيف تحت الشريط، ترتيب الباركود، كل حاجة بتدل إنها جاية من نظام تعبئة صناعي.
أغلب الناس كانت هتفوتها، كريم ما فاتوش لأنه مهندس وعقله بيلاحظ أي حاجة غلط كأنها هوا.
أنا لاحظتها عشان شفتها قبل كده. سنة فاتت، رحنا شقة إيمي نسلمها صحون كانت مستعارة، الممر بتاعها كان عامل زي مخزن، نفس الليبلات المطبوعة، نفس الشريط الصناعي، نفس ريحة غريبة.
افتكرت أخدت واحدة، وإيمي صرخت بسرعة:
“حطيها على الأرض.”
وبعدين ضحكت كأنها ما صرختش. قالت:
“المورد صارم. بيراقب مين بيفتح إيه.”
صارم، مش حذر، مش غالي. صارم.
دلوقتي العلبة نفسها قاعدة على الرخامة عندنا، اسمي مطبوع عليها.
كريم ما احتاجش يقول كلمة تانية. احنا عارفين.
دي مش هدية عيد ميلاد معمول بحب وبالونات. دي شحنة متعمدة، جاية على بيتي، باسمي.
بعدها التليفون رن. ماما.
كريم وبصلي لبعض، هو هز راسه صغير كأنه بيقول لا.
رديت على أي حال، حطيتها على مكبر الصوت. العلبة بينا كأنها بتسمع.
ماما قالت:
“حبيبتي! وصلت؟”
قلت ببطء: “أيوه، وصلت.”
سألت بسرعة: “فتحيتيها؟”
بصيت على الشريط، الختم، صندوق البريد… وكذبت:
“أيوه فتحتها. جميلة أوي. شكرًا.”
صوتها بقى أهدى:
“حبيبتي، كنا عايزين نفكرك قد إيه بنحبك. إنت بنتنا. متنسيش ده أبدًا.”
جسمي كله اتجمد.
ماما عمرها ما قالتلي كده قبل كده.
كريم سمعها كمان. كنت شايفة من وشه، الطيبة دي مش حب. ده تمثيل. نوعية الناس اللي بتحاول تخليك واثق وطايش في المكان اللي هم محدديهولك.
بعدين قالت:
“تستاهلي حاجة حلوة. دايمًا كنت قوية.”
القوية… الكلمة دي دايمًا معناها نفس حاجة عندنا:
إنت هتقدري تتصرف، مش محتاجة مساعدة، وإحنا ممكن نضحّي بيكي.
قطع الخط. والسكون بعد المكالمة كان تقيل وغريب.
وقفت قدام العلبة، ولأول مرة في حياتي فهمت بوضوح:
الحاجة اللي جوا العلبة عمرها ما كانت عشان تحسسني بالحب.
دي كانت عشان توصل بيتي باسمي وتنفجر في إيديا.
واقفة في المطبخ في عيد ميلادي، وجوزي بيبص للعلبة كأنها ممكن تنفجر، وماما فجأة بتناديني “بنتنا” كأنها بتقرأ من سيناريو، فهمت إن ده أكبر من أي مشاكل عائلية.
ده فخ.
وعرفت إني على وشك أعرف لحد فين دم أهلي مستعد يوصل عشان يحطني أنا في المصيبة.
مشيره محمد
👇🏻👇🏻👇🏻
بعد المكالمة دي، السكون حسيت بيه تقيل وغريب، العلبة لسه واقفة بينا، وكريم واقف جنبي بيبص لها كأنها ممكن تنفجر في أي لحظة.
كنت فاكرة كل حياتي، وكل مرة أهلي كانوا بيتصرفوا معايا بطريقة “حب” اللي في الحقيقة معناها تضحّي بيكي. دلوقتي كل حاجة واضحة. العلبة دي مش هدية. دي فخ، حد حابب يوقعني.
وبعدين حصل اللي كنت حاسة بيه. جوا العلبة كان فيه جهاز صغير، مش حاجة كبيرة، بس كفاية عشان لو اتفاجئت بيه أو حاولت تحرك العلبة بطريقة غلط، يحصل انفجار صغير أو إصابة. كل حاجة كانت محسوبة. كل حاجة كانت معمولة بحذر شديد.
كريم شال العلبة بعيد عني، وحطها على الطاولة بعناية.
قاللي: “رنا… ده خطر. مافيش داعي نلمسه لحد ما نعرف مين وراه.”
كنت قلقة جدًا، قلبي بيخبط بسرعة. بس حسيت براحة صغيرة إن كريم موجود معايا. الشخص ده اللي دايمًا بيركز على التفاصيل الصغيرة، هو دلوقتي واقف جنبي عشان يحميني.
اتصلنا بالشرطة وشرحنا لهم كل حاجة عن العلبة، الليبل، وختم المخزن. كل حاجة كانت واضحة جدًا للمهندسين اللي فحصوها: العلبة مش من أهلي، مش من المدينة اللي هما فيها، ومش من أي حد من العيلة. كل حاجة كانت معمولة بطريقة صناعية، هدفها واحد: تأذي حد أو تخوفه.
ومع مرور الأيام، اكتشفت إن اللي ورا الموضوع ده كان حد من أقرب الناس للعيلة… حد كان مستني اللحظة دي عشان يورطني. ماما، اللي ناديتني “بنتنا” فجأة، كانت جزء من خطة أكبر، على الأقل بالكلام اللي قالتوه عشان يخلوني واثقة ومطمئنة.
كريم كان دايمًا جنبي، ساعدني أفهم كل حاجة خطوة خطوة، وفضلنا محافظين على أماننا لحد ما نقدر نواجه اللي ورا ده.
وفي النهاية، بعد تحقيقات كتير، اكتشفنا الحقيقة: العلبة دي كانت محاولة لإيهامي إن أهلي بيحبوني، وفي نفس الوقت يخلوه يبدو إنهم عايزين يوقعوني. الهدف الحقيقي كان جرّني للفخ.
أنا اتعلمت درس مهم: مش كل اللي بيبان حب، حقيقي. وأحيانًا أقرب الناس ليك ممكن يكونوا جزء من خطة ضدك.
لكن في نفس الوقت، اتأكدت من حاجة واحدة: وجود كريم جنبي كان الفرق بين الكارثة والفهم الصحيح لكل حاجة.
وده كان عيد ميلادي اللي المفروض يكون يوم فرح وبساطة، لكن اتقلب لفخ كبير. لحد دلوقتي، كل ما افتكر اليوم ده، بحس بالخوف والوعي بنفس الوقت.
تمت بقلم مشيره محمد