القهوه. مشيره محمد
ياسين قرب بخطوات سريعة، ملامحه كانت جامدة زي الحجر. ريهام جريت عليه بخفة، مسكت في دراعه بدلع مصطنع وصوتها اتغير وبقى رقيق ومظلوم: “يا دكتور ياسين، كويس إنك جيت! الست دي هجمت عليا وكانت عايزة تضربني، ولما حاولت أدافع عن نفسي القهوة وقعت عليها غصب عني.. تخيل بتقول للناس إنها تعرفك؟ دي أكيد واحدة مهووسة!”
ياسين مابصش لريهام أصلاً، عينيه كانت مثبتة عليا أنا.. على منظري والقهوة اللي مبهدلة هدومي، وعلى الملف اللي كان تعب شهور وضاع في ثانية.
نتر إيد ريهام من على دراعه بقوة خلتها ترجع خطوة لورا وهي مذهولة. قلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتافي وهو بيسأل بصوت واطي ومرتعش من الغضب: “أنتي كويسة؟”
أنا بصيت له ببرود تام، شلت الجاكيت من على كتفي ورجعته له: “الجاكيت ده غالي يا دكتور، خسارة يتوسخ بالقهوة ‘المتلجة’ اللي خطيبتك دلقتهالي.. مش كدة ولا إيه؟”
ياسين غمض عينيه ثانية بيحاول يتحكم في أعصابه، وبعدين لفت لريهام اللي وشها بقى أبيض زي الورقة. ريهام بدأت تتهته: “يا فندم.. أنا.. أنا كنت فاكرة..”
ياسين قاطعها بصوت زلزل الكافتيريا: “كنتي فاكرة إيه؟ إن الكدب ملوش رجلين؟ أنا عمري ما شفتك بره حدود المكتب، ولا فيه بيني وبينك غير الشغل اللي أنتي أثبتي إنك مش قد أمانته.. أنتي مطرودة يا ريهام، ومعاكي نص ساعة تلمي حاجتك وتخرجي من المستشفى، وقرار رفدك هيكون مسبب بـ ‘سوء سلوك’ عشان مفيش مستشفى تانية تقبلك.”
ريهام بدأت تعيط بانهيار: “يا دكتور ابوس إيدك.. أنا كنت بهزر.. أنا كنت عايزة أعمل برستيج لنفسي.. أنا..”
ياسين شاور للأمن بحدة: “خدوها من قدامي.”
لما الأمن سحب ريهام وسط نظرات الشماتة من كل اللي واقفين، المكان هدي تماماً. ياسين قرب مني وحاول يلمس إيدي: “مشيرة، أنا أسف.. مكنتش أعرف إن فيه حد بالوقاحة دي بيستغل اسمي.”
سحبت إيدي بالراحة وبصيت للساعة: “الأسف مش هينشف الهدوم ولا هيرجع العقود اللي باظت يا ياسين. أنا عندي اجتماع كمان عشر دقايق مع ناس مبيستنوش، والملف ده كان فيه شغلنا كله.”
ياسين بص للملف بحزن: “هأجلهولك.. هكلمهم فوراً وأعتذر باسم المستشفى.”
ضحكت بوجع: “تعتذر بصفتك إيه؟ المدير اللي خطيبته المزعومة طردت المستثمرين؟ ولا جوزي اللي لسه مش عايز يخلص إجراءات الطلاق ومخليني معلقة لا طايرة ولا نازلة؟”
سكت ياسين، والوجع بان في عينيه. فتحت شنطتي وطلعت منها ورقة مطوية كانت باقية من وسط الزحمة: “دي نسخة تانية من التنازل عن المؤخر والنفقة، أنا وقعت عليها الصبح. يا ريت تمضيها النهاردة، عشان المرة الجاية لما حد يسأل ‘خطيبتك’ دي تبقى مين، تقدر تجاوب بضمير مستريح.”
سبته ومشيت بظهري مفرود، رغم القهوة اللي كانت لسه سقعتها على جسمي، بس نار برودي كانت أقوى. خرجت من الكافتيريا وأنا سامعة همس الناس ورايا، وعارفة إن النهاردة مش بس نهاية ريهام في المستشفى.. دي كانت نهايتنا إحنا كمان.
تمت. مشيره محمد