عرفت ان عنده عيله تانيه
عرفت إن عنده عيلة تانية بعد ما ولدت بكام ساعة.. كان فاكر إني هسكت وأكتم في نفسي، وإني ضعيفة ومش هقدر أمشي.. بس أنا لا اتخانقت ولا سألت عن حاجة، أنا خدت ابني ومشيت.. عشان ساعات اللحظة اللي بيفتكروا فيها إنك اتكسرتي، بتبقى هي هي اللحظة اللي بتختاري فيها نفسك.
لما أختي ردت على التليفون، صوتها كان تقيل من النوم وتايهة، بس أنا مكنتش في حالة تسمحلي أهدي عليها ولا أنقي كلامي، لأن فيه لحظات في حياة الست مبيبقاش فيها رفاهية للحنية.
إبراهيم طلع متجوز وعنده عيلة تانية في المنصورة.
سكتت ثانيتين بالظبط، وبعدها سمعت صوت خروشة الملايات وصوت تكّة الأباجورة وهي بتنور، وصوت مفاتيحها وهي بتخطفها من على الكومودينو.
أنا جاية حالاً، قالتها وقفلت.
قفلت السكة وبصيت حواليا في أوضة المستشفى وكأني أول مرة أشوفها، مش كمكان للعلاج، لا، كمكان اتسيبت فيه لوحدي ألم جراحي تحت نور الفلورسنت، في الوقت اللي الراجل اللي كان المفروض يسندني فيه، كان مقسم نفسه على حياتين ومستني مني
أصدق النسخة اللي تريحه هو.
أنا اسمي سارة.. عندي 34 سنة، مهندسة ديكور، لسه طالعة من عملية ولادة قيصرية طارئة، وبحاول أتماسك في أول أيام ابني في الدنيا بقوة مبيحسش بيها غير اللي الأوهام ماتت قدام عينيه. ابني زين كان نايم في السرير البلاستيك اللي جنب الشباك، نفسه طالع ونازل بهدوء تحت غطا المستشفى، مش عارف إن الشمس لما تطلع، حياتي القديمة هتكون اتهدت، وهتتبني مكانها حاجة أقوى وأنضف وأصدق.
بدأت أشيل الأجهزة من عليا.
بدأت بجهاز الضغط، وبعدين لزقات رسم القلب واحدة واحدة، اللزق كان بيشد في جلدي وبيوجعني بس مفرقش معايا. شلت البلاستر اللي ماسك الكانيولا من إيدي، وسحبت الإبرة، وضغطت بالقطنة لحد ما الدم وقف. كل حركة كانت وجع.. بطني كانت لسه محمرة ووجع الجرح بيسمع في ضهري، ورجلي تقيلة وكأني بحارب الجاذبية عشان بس أقف.. بس الوجع مابقاش يفرق معايا خلاص.
لبست الهدوم اللي جيت بيها، ولفيت زين ببطانيتين، وحطيته في الكار سيت بإيد ثابتة أكتر من قلبي. قلعت دبلتي وخاتم الخطوبة، وحطيتهم جنب بعض على التربيزة اللي جنب شفشق المية، وسبتهم هناك من غير ولا كلمة.
هو هيفهم لوحده.
أو على الأقل هيفهم لدرجة إنه يترعب.
لما أختي بعتتلي رسالة أنا تحت، شلت الكار سيت وسندت على الحيطة وخرجت للمرقة. الممرضة شافتني واتخضت لما شافت لسه في إيدي أسورة المستشفى.
يا مدام، مينفعش تخرجي كدة، حضرتك لسه متمشيش ليكي خروج!
بصيت لها بعين ثابتة وبالنبرة الناشفة اللي بستخدمها مع المقاولين لما بيغلطوا في الشغل ويفتكروا إن الكلمتين الحلوين هيعدوها
أنا اسمي سارة، وخارجة من المستشفى على مسؤوليتي. أنا عارفة المخاطر وهمضي على أي ورق الصبح، بس لو فكرتي تمدي إيدك عليا أو على ابني دلوقتي، هخلي اليوم ده أغلى تمن مهني هتدفعيه في حياتك.
رجعت لورا وسابتني.. وأنا كملت مشي.
نزلت السلالم خطوة بخطوة وأنا حاسة إن جرحي بيتحرق، بس الوجع اللي في قلبي كان مخدر أي وجع تاني. وصلت لباب المستشفى ولقيت أختي هند واقفة بعربيتها، أول ما شافتني بالحالة دي وشايلة زين، نزلت تجري عليا وهي مش مصدقة.
يا مجنونة! إزاي تخرجي كده؟ أنتِ لسه والدة!
بصيت لها وقولت بكلمة واحدة دوري العربية يا هند.. مفيش وقت.
ركبت جنبها وغمضت عيني، وحسيت بالهوا الساقع بتاع الفجر بيخبط في وشي. موبايلي مكنش بيبطل رن.. إبراهيم. مكنتش محتاجة أرد عشان أعرف إنه رجع البيت ولقى البيت فاضي، أو يمكن راح المستشفى ولقى الدبلة مكانها.
هند سألتني وهي بتسوق وإيدها بترتعش عرفتي منين يا سارة؟ إبراهيم طول عمره بيمثل إنه الزوج المثالي!
طلعت الموبايل وفتحت اللوكيشن اللي كان بعتهولي بالغلط وهو فاكر إنه بيبعته لمراته التانية.. صورة لسرير بيبي تاني، محطوط في غرفة نوم تانية، وعليها قلب وجملة أنا وصلت يا حبيبتي، البيت وحش من غيرك أنتِ وسيف.
سيف.. طلع مسمي ابنه التاني سيف.
بصيت لزين اللي كان نايم في حضني وقولت له بصوت واطي وعد مني يا حبيبي، عمرك ما هتحس إنك ناقص.. أنا هكون لك الأب والأم والضهر.
هند قالتلي هنروح فين؟ بيت ماما؟
رديت ببرود لأ.. هنروح الشقة اللي كنت شاريها من وراه بميراثي

وصلنا الشقة، كانت فاضية وهادية.. قعدت على كنبة وسط الضلمة وحطيت زين جنبي. هند كانت بتبصلي بخوف أنتِ ناوية على إيه؟
فتحت اللابتوب بتاعي، وأنا مهندسة ديكور وعارفة يعني إيه تخطيط.. مكنتش بس بخطط لبيوت، كنت بخطط لنهاية إبراهيم.
ناوية آخد حقي يا هند.. الشركة اللي كبرها بفلوسي، والاسم اللي صنعه بمجهودي، والشقة اللي عايش فيها.. كل ده هيتاخد منه، بس مش بالخناق.. بالقانون وبالعقل.
في اللحظة دي، الباب خبط خبطات مرعبة.. إبراهيم وصل. عرف مكاني بطريقة ما.
هند اتسرعت وقامت تفتح، بس أنا وقفتها سيبيه يخبط.. خليه يعرف إن الباب ده مابقاش يتفتح له.. وخليه يفهم إن سارة اللي كانت بتسامح، ماتت في أوضة العمليات.
إبراهيم من ورا الباب كان بيزعق افتحي يا سارة! أنتِ فاهمة إيه؟ ده سوء تفاهم! أنا بحبك أنتِ وزين!
ضحكت بمرارة.. السكريبت القديم اللي حافظينه كلهم. سحبت موبايلي وسجلت له رسالة صوتية واحدة وبعتها
يا إبراهيم، الدبلة اللي سبتها في المستشفى دي كانت آخر خيط بيربطنا.. ابني ملوش أب خاين، وأنا ماليش زوج كداب.. المحامي بتاعي هيكلمك الصبح، وجهز نفسك عشان الشركة اللي بتتباهى بيها.. مابقتش بتاعتك من نص ساعة.
سكت الخبط فجأة.. وكأن الصدمة لجمت لسانه.
بصيت للسما اللي بدأت تشقشق بنور الصبح، وحسيت لأول مرة من سنين إني حرة.. الجرح كان لسه بيوجع، بس الروح كانت بدأت تخف.
لو عايزين تعرفوا سارة عملت إيه في الشركة وإزاي خلت إبراهيم يندم على اليوم اللي فكر فيه يكسرها.. اكتبوا تم.
إبراهيم فضل واقف ورا الباب، صوته بدأ يتحول من الزعيق للترجي يا سارة افتحي.. بلاش تخربي بيتنا عشان غلطة.. أنا عملت كده عشان أحميكي!
ضحكت بوجع.. يحميني!.. يحميني ب إنه يفتح بيت تاني بفلوسي؟ ويسمي ابنه التاني على اسم أبويا؟ إبراهيم كان فاكرني الست اللي بتخاف من كلمة مطلقة، الست اللي هتلم الدور عشان المنظر قدام الناس.
بصيت لهند وقولتلها بصوت ثابت هاتي الموبايل وسجلي.
فتحت الكاميرا ووقفت ورا الباب وقفلت الترباس كويس وقولت بصوت عالي سمعه هو وكل الجيران اللي بدأوا يفتحوا أبوابهم
يا إبراهيم، أنت دلوقتي بتخبط على باب واحدة غريبة عنك.. الفويس اللي أنت بعته بالغلط لمراتك التانية، والتحويلات البنكية اللي كنت بتسحبها من حساب الشركة لحسابها، كل ده بقى تحت إيد المحامي بتاعي.. وبالمناسبة، الشراكة اللي بينا في المكتب الهندسي؟ أنا فسختها بصفني صاحب الحق في الإدارة، والحجز التحفظي على أرصدة الشركة هيتنفذ الصبح.
إبراهيم صوته اختفى تماماً.. السكوت اللي ورا الباب كان مرعب، سكوت حد أدرك فجأة إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء. سمعت صوت خطواته وهي بتبعد، وصوت خبطة إيده على الحيطة وهو نازل.. كان ماشي مهزوم.
هند بصتلي بذهول أنتِ جبتي القوة دي منين يا سارة؟ ده أنتِ لسه طالعة من بنج!
رديت وأنا بضمه زين لحضني القوة دي مجتش من البنج يا هند، دي جت من الخذلان.. لما تكتشفي إن الشخص اللي كنتِ مستعدة تموتي عشانه، كان بيحفرلك قبرك وأنتِ لسه عايشة، ساعتها يا تقومي وتدوسي عليه، يا تدفني نفسك بإيدك.. وأنا اخترت أعيش.
قضيت الليلة دي صاحية، مش من وجع الجرح، لكن من التفكير في بكرة. الصبح طلع، ونور الشمس دخل الشقة الجديدة، شقة مفيش فيها ريحة ل إبراهيم ولا كدبه.
المحامي كلمني الساعة 10 الصبح يا بشمهندسة سارة، إبراهيم موجود قدام الشركة ومعاه المحامي بتاعه، وبيقول إنه مش هيمشي غير لما يقابلك.. بيقول إنه مستعد يتنازل عن كل حاجة مقابل إنك متفضحيش الموضوع وتطلبي الطلاق بهدوء.
ابتسمت وقولت للمحامي قوله إن سارة بتقولك.. التنازل ده حق ابني اللي أنت سرقته، مش تمن لسكوتي.. أنا هطلق، وهآخد حقي تالت ومتلت، والناس كلها هتعرف الحقيقة.. مش عشان أنتقم، عشان مفيش ست تانية تغلط غلطتي وتآمن لتعالب في توب رجالة.
قفلت السكة وبصيت ل زين اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرين.. بوست ايده وقولتله أنا وأنت يا حبيبي هنبني عالم جديد.. عالم مفيهوش كدب، عالم مفيهوش غيرنا.
النهاردة أنا مش مجرد مهندسة شاطرة، أنا ست اختارت نفسها في اللحظة اللي الكل
كان فاكر إنها انتهت فيها.. والوجع اللي كان في بطني؟ بقى هو الوقود اللي بيحركني عشان أكون أحسن نسخة من نفسي.
تم.