أنا عملت كل اللي “الم/وت” بيطلبه منك.
أنا عملت كل اللي “الم/وت” بيطلبه منك.
الورق والروتين الرخم..
التعرف على الجثة..
أوراق التأمين..
المصافحات..
هز الدماغ بالموافقة..
والوقفة باللبس الأسود والناس بتقول كلام ناعم ملوش لازمة ومبيبردش النار.
كنت فاكرة إن وأنا في المدافن بخلص أصعب لحظة في حياتي.. بس كنت غلطانة.
لأن هناك، والمدافن مفتوحة والناس كلها مشغولة في الحزن، “التُربي” قلع جوانتي الطينة وشاور لي أقرب منه وكأننا هنعمل حاجة غير قانونية.
راجل عجوز، جزمته غرقانة طين، وشه مخطوف، وعينه بتلف يمين وشمال كأنه مش عايز حد يشوفه وهو بيكلمني.
قرب مني ووشوشني بصوت واطي أوي: “يا أستاذة، والدتك دفعت لي كاش يوم الثلاثاء اللي فات عشان أدفن نعش فاضي.”
فضلت مبلمة فيه.
قولت له: “إيه؟”
أصلاً هتقول إيه لواحد بيقول كلام زي ده؟
الراجل مضحكش.. متراجعش.. ولا حتى بان عليه إنه بيحاول يعمل مقلب سخيف.
مد إيده وضغط على إيدي بحاجة ساقعة، وقفل صوابعي عليها.
مفتاح نحاس..
تقيل..
ومحفور عليه رقم 16.
وقال لي: “أنا مش بهزر معاكي. متروحيش البيت.. روحي على ‘اليونت’ رقم 16.. دلوقتي حالاً.”
في اللحظة دي، تليفوني اتهز في جيبي.
جسمي كله اتلج قبل حتى ما أبص في الشاشة.
لأن فيه جزء جوايا كان عارف إن اللي هشوفه مستحيل يكون طبيعي.
كانت رسالة.
من رقم أمي.
الست اللي ميتة بقالها أسبوع!
كلمتين بس:
“تعالي البيت.. لوحدك.”
في اللحظة دي الجنازة مبقتش “حزن”، بقت “فخ”.
كان المفروض أوري الرسالة لحد..
أسلم التليفون للشرطة..
أفضل وسط أهلي وفي النور وقدام الناس..
بس معملتش كده.
ركبت عربيتي وسوقت..
بسرعة..
لحد ما خرجت برا المنطقة النضيفة، عديت المحطات والأرض الفاضية، لحد ما وصلت لمخازن قديمة على طرف المدينة، ريحتها كلها تراب وأسفلت سخن.
وحدة رقم 16 كانت في نص الممر.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش أحط المفتاح في القفل من أول مرة.. ولا من التانية.
لحد ما أخيراً دخل..
لفيته..
سمعت صوت “التكة” التقيلة..
ورفعت الباب لفوق.
كنت مستنية أشوف كراتين..
عفش قديم..
كراكيب..
بس اللي شوفته كان أسوأ.. أسوأ بكتير.
المكان مكنش مخزن.. كان باين إنه “مخبأ”.
جراكن ميه.. مؤن.. كرسي بيتطبق..
وفي النص بالظبط، وكأنها كانت مستنياني.. شنطة أمي الكحلي.
نفس الشنطة اللي الشرطة قالت لي إنها “اتحرقت في الحادثة”.
ملزوق عليها ظرف أبيض مكتوب عليه اسمي بخط إيدها:
“لإيميلي.. لو بتقري الكلام ده، يبقى هما اللي كذبوا عليكي الأول.”
وأنا واقفة وسط الصندوق المعدن ده وشنطة أمي الميتة قدامي، أدركت حاجة واحدة في ثانية:
ممكن متبقاش أمي هي اللي دفناها النهاردة.
فتحت الظرف وإيدي بتترعش، وجوا المخبأ ده كان فيه سكوت مرعب مبيقطعهوش غير صوت نفسي. الورقة كان مكتوب فيها: “يا إميلي، اللي شفتيها في المشرحة مكنتش أنا، دي كانت جثة تانية بملامح متغيرة.. اهربي يا بنتي، البيت متراقب، والناس اللي قت/لوا ‘بديلتي’ فاكرين إن اللعبة خلصت. الشنطة دي فيها جواز سفرك الجديد، ومفتاح شقة في الإسكندرية.. متثقيش في حد، حتى اللي لابسين بدلات وبيواسيكي.”
قلبي كان هيقف، وبدأت أفتش في الشنطة الكحلي بجنون، لقيت فعلًا جواز سفر باسم تاني بس صورتي أنا، ولقيت “فلاشة” صغيرة وصورة قديمة لأمي مع راجل أول مرة أشوفه في حياتي، وراه مركب صيد مكتوب عليها “المنسي”.
فجأة، سمعت صوت فرملة عربية برا المخزن.. وبعدها صوت خطوات جزمة تقيلة بتقرب من اليونت 16.
طفيت كشاف الموبايل بسرعة واستخبيت ورا جراكن الميه. باب المخزن المعدن اترفع ببطء، ودخل واحد لابس نضارة سوداء رغم إننا كنا في الضلمة، وكان ماسك جهاز لاسلكي بيقول فيه: “يا فندم، البنت وصلت هنا، بس المكان فاضي.. شكلها لسه ملمستش الشنطة.”
عرفت وقتها إن التليفون اللي في جيبي هو اللي دلهم عليا.. الـ GPS كان شغال.
بروح القتالية اللي معرفش جات لي منين، قذفت جرك الميه بكل قوتي في وش الراجل، وفي لحظة ذهوله زقيته وطلعت أجري في الممر الطويل بين المخازن. ركبت عربيتي وطرت بيها، مش للبيت، ولا للشرطة.. ركبت طريق الإسكندرية الصحراوي.
طول الطريق كنت ببص في المراية، مفيش حد ورايا.. بس الخوف الحقيقي كان من الرسالة اللي جات لي دلوقتي على التليفون:
“برافو يا إميلي.. عرفتي تهربي منهم. استنيني عند المنسي.”
وصلت الميناء الفجر، عند مركب الصيد القديم اللي في الصورة. وقفت بعيد أراقب، لحد ما شفت ست لابسة عباية مصرية سودة ومدارية وشها بـ “طرحة”. أول ما شافتني، رفعت الطرحة شوية.. كانت هي.
أمي.
بملامح تعبانة بس عيون صاحية زي الصقر. قالت لي بلهجة مفيش فيها ذرة ضعف: “الم/وت كان الطريقة الوحيدة عشان نختفي يا بنتي.. أبوكي مكنش مجرد موظف بنك، والسر اللي سابه هو اللي هيخلينا نعيش.. أو نم/وت بجد المرة دي.”
بصيت ورايا، شفت كشافات عربيات الحكومة بتقرب من الميناء.. وبصيت لأمي اللي مدت إيدها ليا وقالت: “هتركبي المركب ونبدأ من جديد، ولا هتسلميهم السر وتنهي الحكاية هنا؟”
ركبت المركب، والموج خد أسماءنا القديمة ورمى جث/ثنا المزيفة للنسيان.