الابن المفقود

قالت له الطفلة الحافية بصوت بسيط وهي تشير إلى الصورة: “يا بيه… الولد اللي حضرتك بتدور عليه من سنة، بينام عندنا كل ليلة”، فسقطت الجملة على قلب رجل الأعمال ناصر الجارحي كالصاعقة التي أعادت إليه روحًا ظن أنها ماتت يوم اختفى ابنه الوحيد.

كان ناصر الجارحي رجل أعمال معروفًا في القاهرة، تكتب عنه الصحف وتستضيفه القنوات، يملك شركات وعقارات وسيارات فاخرة، لكن كل هذا لم يكن يساوي شيئًا منذ اليوم الذي اختفى فيه ابنه يوسف من حديقة عامة في مدينة نصر قرب الأرجوحة الحمراء.

يوسف لم يكن مجرد طفل في حياة ناصر، كان ضحكته الوحيدة بعد وفاة زوجته، ونقطة ضعفه التي يخفيها خلف وجه صارم، والسبب الوحيد الذي يجعله يعود إلى البيت مهما طال يومه بين الاجتماعات والصفقات.

اختفى يوسف قبل عام كامل بلا رسالة ولا مكالمة ولا أثر، كان يلعب في الحديقة ثم تبخر وسط الزحام، ومن يومها تحولت حياة ناصر إلى ملصقات بحث ومكافآت ومحققين وكاميرات وشوارع لا تنتهي.

في البداية تعاطف الناس معه، ثم نسوا القصة تدريجيًا، فالناس تنشغل بأحزانها، لكن الأب لا ينسى صوت ابنه ولا شكل يده الصغيرة وهي تتمسك بأصابعه عند عبور الطريق.

وفي صباح رمادي، وقف ناصر عند عمود إنارة قريب من سوق شعبي قديم في السيدة زينب، يعلق ملصقًا جديدًا عليه صورة يوسف، وكانت يده ترتجف حتى تجعدت الورقة بين أصابعه.

نظر إلى صورة ابنه وهمس بصوت مكسور: “لازم حد يكون شافك يا يوسف… مستحيل تكون اختفيت كده”، ثم ثبت الشريط اللاصق وهو يشعر أن كل ملصق يعلقه يأخذ جزءًا جديدًا من روحه.

في تلك اللحظة سمع صوت طفلة خلفه تقول بهدوء: “يا بيه… الولد ده ساكن عندنا”، فتجمد ناصر والتفت ببطء كأنه يخاف أن يكتشف أن الصوت مجرد وهم صنعه التعب.

كانت طفلة صغيرة حافية القدمين، ترتدي فستانًا باهتًا وعيناها واسعتان وصادقتان، تشير إلى صورة يوسف على الملصق دون خوف، وكأنها تقول أمرًا بسيطًا لا تعرف أنه سيقلب حياة رجل كامل.

اقترب ناصر منها بحذر وسألها بصوت بالكاد خرج من حلقه: “إنتِ قلتي إيه؟”، فأشارت إلى الصورة مرة أخرى وقالت: “الولد ده… بينام عندنا في الأوضة، معايا أنا وماما”.

جثا ناصر على ركبتيه أمامها، وأمسك الملصق بيد ترتجف وقال: “بصي كويس… إنتِ متأكدة إنه هو؟”، فنظرت الطفلة إلى الصورة لحظات ثم هزت رأسها بثقة وقالت: “أيوه هو… بس هو دلوقتي أرفع شوية ومش بيتكلم كتير”.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *