عاد المليونير

وقف أدريان كول متجمدًا في مكانه، يده معلقة في الهواء كأنها تجمدت على مقبض الباب غير المرئي. المشهد الذي رآه لم يكن مشهد خيانة، ولا مشهد سرقة، بل كان شيئًا أكثر إيلامًا لقلبه المستكبر… كان مشهدًا للحياة التي حرم طفليه منها.

​كانت مائدة الطعام الكبرى، التي لطالما كانت رمزًا للرسمية والبرود، مغطاة بأوراق ملونة، وعجين من الصلصال، وعلب ألوان مبعثرة. وفي المنتصف، كانت روزا تجلس على الأرض، غير مبالية بفستانها البسيط الذي تلطخ بالألوان، وعلى رأسها تاج ورقي مضحك صنعته يد صغيرة. إيثان، ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات، والذي كان يعتقد أدريان أنه طفل صامت ومنعزل، كان يضحك بملء فيه وهو يحاول وضع مساحيق الدلوان على وجه روزا. أما ليلي، ذات الست سنوات، فكانت تتشبث برقبة روزا من الخلف، تهمس في أذنها بكلمات جعلت الخادمة تنفجر بضحكة صافية نابعة من القلب.

​لم يكن هذا كل شيء. بل ما سمعه أدريان حين اقترب خطوة أخرى هو ما جعل الدموع تتحجر في عينيه ثم تنهمر دون إذن.

​قالت ليلي بصوتها الطفولي النقي: “روزا، هل ستظلين معنا دائمًا؟ عندما يأتي بابا، هو لا يبتسم هكذا. هو دائمًا ينظر إلى ساعته، ويقول إنه مشغول. أنا أحب بابا، لكني أشعر أنه يملك كل البيوت في المدينة إلا بيتنا نحن.”

​توقفت روزا عن الضحك، وضمت ليلي إلي صدرها بحنان دافئ، وقالت بصوت منخفض وعميق: “يا صغيرتي، والدك يحبكما أكثر من أي شيء في العالم. كل تلك المباني التي يبنيها، وكل تلك الاجتماعات، يفعلها ليؤمن مستقبلكما. إنه يعمل بجد لأنه يريدكما أن تكونا أسعد طفلين.”

​قاطعها إيثان بنبرة فيها مسحة من الحزن أثقلت قلب أبيه: “لكننا لسنا سعداء بالمال يا روزا. أنا أفضّل أن نعيش في كوخ صغير، بشرط أن يجلس معنا على العشاء، أن يلعب معي بالكرة، أن يقرأ لي قصة قبل النوم كما تفعلين أنتِ. هو يعطينا الألعاب، لكنه لا يعطينا نفسه.”

​انفجر حصان أدريان الداخلي، وسقطت دموعه الساخنة على وجنتيه. شعر بطعنة حادة في الصدر. هو، المليونير الذي يملك الملايين، الذي يحسب كل صفقة بالورقة والقلم، اكتشف في هذه اللحظة أنه أفقر رجل في العالم. لقد اشترى لطفليه كل شيء، لكنه نسى أن يمنحهما الشيء الوحيد الذي لا يُشترى بالمال: “عشق الروح” ودفء الأبوة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *