ليلة فرحى

 

في ليلة فرحنا، مراتي قالتلي الدورة جتلي بدري أحسن ننام كل واحد لوحده الليلة دي.
الساعة 1243 بعد نص الليل، صحيت عشان أدخل الحمام، وسمعت صوت أنين جاي من أوضة أبويا.
ما صرختش وما ندهتش على حد.
مشيت على أطراف صوابعي لحد باب ، وفتحته مرة واحدة
واللي شوفته جوه خلّى ليلة فرحي كلها تبقى أهون بكتير من المصېبة اللي كانت مستخبية في البيت ده
الجزء الأول
في ليلة فرحي، شفت ست داخلة أوضة أبويا
ولكام دقيقة كنت متأكد إن الست دي هي مراتي.
اسمي أحمد عبدالسلام، عندي 32 سنة، وبشتغل في ورشة صيانة معدات زراعية على أطراف المنصورة.
مراتي مي عندها 28 سنة، وكانت شغالة مدرسة حضانة.
اتجوزنا يوم سبت في شهر أكتوبر، بعد علاقة استمرت تقريبًا تلات سنين.
الفرح كان في بيت أبويا وأمي، بيت كبير في منطقة ريفية قريبة من البلد. بيت دور واحد، بس مساحته واسعة، وفيه حوش كبير، ومخزن، ومطبخ صغير ورا البيت، وكام أبويا كان بيبنيهم واحدة واحدة كل ما ربنا يوسّع عليه.
أبويا، عبدالسلام، كان عنده 61 سنة.

قضى عمره شغال في المقاولات، وبعد ما كبر شوية بدأ يشتري معدات بناء مستعملة، يصلحها ويأجرها للناس.
كان من نوعية الرجالة اللي صوتهم عالي، وكلمتهم لازم تمشي، ودائمًا يقول
مشاكل البيت ما تطلعش برّه البيت واللي بينا يتحل بينا.
أمي، فاطمة، كانت عندها 58 سنة.
ضحكت وقلت لها
يا بنتي إحنا لسه متجوزين. قدامنا العمر كله.
سخنتلها شوية مية، وجبتلها فوطة دافية، وقعدنا نتكلم عن اليوم الطويل والناس اللي كانت في الفرح لحد ما غلبنا النوم.
لكن الساعة 1243 بعد نص الليل صحيت فجأة.
مديت إيدي ناحية مكان مي
كان فاضي.
افتكرت إنها دخلت الحمام.
لكن بعدها بثواني سمعت صوت خاڤت جاي من آخر الطرقة.
خبطة بسيطة وبعدها صوت حركة.
ركزت في الصوت.
كان جاي من ناحية أوضة أبويا.
وقفت مكاني.
أبويا وأمي من سنتين تقريبًا بقوا بيناموا في أوضتين منفصلتين.
أبويا كان دايمًا يقول إن ضهره بيوجعه، وإن شغله بيخليه يستقبل مكالمات في أي وقت من الليل، ومش عايز يصحي أمي.
لكن في اللحظة دي، حاجة جوايا قالتلي إن الموضوع مش طبيعي.
قربت من الباب.
كان مقفول تقريبًا، بس سايب فتحة صغيرة.
بصيت من الفتحة
وشفت خيال ست جوه الأوضة.
شعرها طويل.
جسمها رفيع.
وطولها تقريبًا زي مي.
حسيت إن الډم نشف في عروقي.
وقبل ما ألحق أفكر، سمعت صوت أنين مكتوم من جوه.
اتجمدت مكاني.
قلت لنفسي
مستحيل
رجعت خطوتين لورا.
كنت عايز أفتح الباب، بس إيدي ما اتحركتش.
مخي كان بيرفض يصدق اللي عيني شافته.
رجعت أوضتي وأنا رجلي بتترعش.
بعد حوالي خمس دقايق، الباب اتفتح.
مي دخلت.
كانت ماسكة تيشيرت مبلول في إيدها.
بصتلي وقالت
كنت بغسله اتبقع، ومكسوفة أسيبه كده.
فضلت باصصلها من غير ما أتكلم.
وبعد ثواني سألتها
إنتي عديتي من ناحية أوضة أبويا؟
وشها اتغير فجأة.
لأ ليه؟
مفيش.
قربت مني وقالتأحمد، مالك؟ إنت شكلك متغير.
قلت
مفيش حاجة.
فضلت ساكت.
وهي كمان ما سألتش تاني.
نمنا الليلة دي وإحنا كل واحد مدي ضهره للتاني.
لكن أنا ما نمتش تقريبًا.
كل ما أغمض عيني أشوف نفس المشهد
خيال الست واقف جوه أوضة أبويا.
وفي الصبح، أبويا ظهر على الفطار عادي جدًا.
ولا كأن حصل أي حاجة.
كان بيهزر مع مي، وبيحط لها أكل في طبقها، ولما خلصت قال لها بابتسامة
من النهارده البيت بيتك يا بنتي إنتي مش ضيفة هنا.
أنا كنت قاعد قدامه ومش قادر حتى أبص في عينه.
كل كلمة كان بيقولها كانت بتخبط في دماغي.
بعد كام ساعة، وإحنا بنلم بواقي الفرح والكراسي والترابيزات، لقيت عمي حسن، أخو أبويا الأصغر، بيقرب مني.
مسكني من دراعي وقال بصوت واطي
أحمد إنت صحيت أو خرجت من أوضتك امبارح بالليل؟
بصيتله باستغراب.
ليه بتسأل؟
عمي بص حواليه الأول، وبعدها قال
عشان أنا سمعت باب المطبخ اللي ورا أوضة أبوك بيتفتح امبارح بالليل.
قلبي دق بسرعة.
قلتله
أنا كمان شفت حاجة.
وش عمي اتغير.
شفت إيه؟
قربت منه وقلت
كان فيه ست جوه أوضة أبويا.
عمي سكت.
بص ناحية أبويا اللي كان واقف بعيد بيتكلم مع واحد من المعازيم.
وبعدين رجع بصلي.
شفت وشها؟
هزيت راسي.
لأ بس كنت شبه متأكد إنها مي.
عمي بلع ريقه، وقال
أحمد إنت فاكر إن الباب ده اتفتح أول مرة امبارح؟
بصيتله ومش فاهم.
يعني إيه؟
قرب مني أكتر وقال
الباب ده بقاله فترة بيتفتح بالليل وإحنا كلنا كنا بنسمع حاجات ومحدش كان بيتكلم.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
بصيت لأبويا
وبعدين لأمي
وبعدين لمي.
ولأول مرة بدأت أسأل نفسي
مين الست اللي دخلت أوضة أبويا ليلة فرحي؟
والأهم من كده
ليه عمي كان عارف إن الموضوع ده بيحصل من زمان؟
كنت فاكر إن أكبر مشكلة في ليلة فرحي هي إني شفت مراتي داخلة أوضة أبويا
لكن الحقيقة كانت أخطر بكتير.
لأن اللي كان مستخبي في البيت ده من سنين
كان على وشك إنه يهدّ عيلة كاملة.
الجزء التاني
فضلت واقف قدام عمي حسن وأنا مش فاهم هو بيقول إيه.
قلتله
يعني إيه بقاله فترة؟ إنت كنت بتسمع حاجة ومقولتليش؟
بص في الأرض وقال
كنت فاكر إنها مشكلة بين أبوك وأمك.
مشكلة إيه يا عمي؟
رفع عينه وبصلي في وشّي.
معرفش بس أمك من فترة طويلة وهي مش مرتاحة.
قبل ما أسأله، سمعنا صوت أبويا من بعيد
حسن! تعالى هنا دقيقة.
عمي اتوتر فجأة.
وقاللي بسرعة
متقولش لأبوك إني كلمتك.
ومشي.
فضلت واقف مكاني، وعقلي مشغول بكلمة واحدة
أمك مش مرتاحة.
دخلت البيت، ولقيت أمي في المطبخ لوحدها.
كانت بتغسل الأطباق.
وقفت جنبها وقلت
ماما هو باب أوضة بابا بيتفتح بالليل؟
إيديها وقفت.
فضلت ثواني ساكتة، وبعدين قالت
مين قالك؟
السؤال نفسه خلاني أتجمد.
قلت
يعني فعلاً بيتفتح؟
مسحت إيديها في فوطة المطبخ وقالت
أحمد، سيب الموضوع ده.
ليه؟
عشان دي حاجات بيني وبين أبوك.
بس أنا شفت واحدة داخلة عنده امبارح!
الطبق اللي كان في إيدها وقع على الحوض.
اتكسّر.
بصتلي پخوف حقيقي.
مش خوف واحدة اتفاجئت
خوف واحدة كانت مستنية اللحظة دي.
قالت
شفتها؟
مين؟
سكتت.
ماما، مين الست دي؟
قبل ما ترد، دخل أبويا المطبخ.
إيه اللي اتكسر؟
أمي ردت بسرعة
الطبق وقع مني.
بصلي أبويا.
مالك يا أحمد؟
قلت
مفيش.
ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال
كويس.
لكن وأنا خارج من المطبخ، سمعت أمي بتقول بصوت واطي جدًا
عبدالسلام كفاية بقى.
أبويا رد عليها
مش قدام أحمد.
وقفت مكاني.
مش قدامي؟
يعني كان فيه حاجة فعلًا!
رجعت أوضتي، ولقيت مي قاعدة على .
أول ما شافتني قالت
إنت كنت فين؟
قلت
كنت بكلم أمي.
سكتت.
بصيتلها.
مي عايز أسألك سؤال.
اسأل.
إنتي كنتي فين الساعة 1243 امبارح؟
وشها اتغير.
مش قلتلك كنت بغسل التيشيرت؟
المستند الأصلي كان محفوظ عند شخص قريب جدًا من العيلة.
بصيت حواليا.
أمي.
عمي حسن.
مي.
منار.
وأبويا.
وفجأة عمي حسن قال
أنا اللي خدته.
كلنا بصيناله.
إنت؟!
قال
من سبع سنين، لما اكتشفت إن أخويا بيحاول يغيّر ملكية الأرض، أخدت صورة من المستند الأصلي وخبيتها. كنت خاېف أواجهه لوحدي.
أبويا صړخ
خنت أخوك!
عمي رد لأول مرة من غير خوف
لأ أنا اتأخرت في إنقاذه.
وبعدين طلع ظرف قديم من جيبه.
منار سابت عندي نسخة من كل حاجة قبل ما تختفي.
المحامي فتح الظرف.
قارن التوقيعات.
وبعدها قال
كده الصورة اكتملت.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
بصيت لمي.
إنتي كنتي عارفة كل ده قبل ما تتجوزيني؟
مي دمعت.
عرفت جزء منه.
ليه مخبيتيش عليا؟
خفت أخسرك.
سكتت لحظة وبعدين كملت
منار قابلتني قبل الفرح بشهور. قالتلي إنك الوحيد اللي ممكن يسمع الحقيقة من غير ما يدمر أمه أو يعمل مصېبة.
بصيت لمنار.
قالت
أنا ما طلبتش منها تتجوزك عشان تستغلك. أنا كنت محتاجة حد من العيلة يقف مع أمك، لأن كل مرة كنت بحاول أتكلم، أبوك كان بيقفل الموضوع.
قلت
طب واللي حصل ليلة الفرح؟ مين كان في أوضة أبويا؟
منار بصت لأمي.
أمي قالت
أنا.
اټصدمت.
إنتي؟!
هزت راسها.
كنت رايحة أواجه أبوك. ومنار كانت مستنياني جوه. كنا بنحاول نلاقي باقي الورق قبل ما يخلصه أو يخبّيه.
بصيت لمنار.
يعني إنتي مش كنتي مع أبويا؟
ضحكت وسط دموعها.
لأ يا أحمد.
وبعدين بصت لأبوك.
هو أصلًا مكنش عارف إني رجعت البيت الليلة دي.
هنا أبويا قعد على الكرسي.
ولأول مرة في حياتي شوفته ضعيف.
قال بصوت مكسور
أنا غلطت.
أمي بصتله.
الغلط كان ممكن يتصلح من زمان.
سكت.
وبعدها اعترف.
اعترف إنه بالفعل غيّر بعض المستندات وحاول ينقل جزء من الملكية باسمي، لأنه كان خاېف إن المشروع يضيع بعد ما دخل في ديون كبيرة.
لكن بدل ما يطلب مساعدة، حاول يخبي المشكلة.
ومع كل ورقة كان بيزوّرها، المشكلة كانت بتكبر.
أما منار، فلما اكتشفت الحقيقة، واجهته.
حصل بينهم خلاف كبير، وقررت تبعد عن البيت بعدما رفض يرجع الحقوق لأصحابها.
لكنها لم تمت، ولم تختفِ كما قال للجميع.
كانت تعيش في محافظة تانية، وتتابع الموضوع من بعيد، لحد ما قدرت تجمع المستندات الكافية للرجوع.
أما أمي
فكانت ساكتة كل السنين دي خوفًا على البيت وعلى أولادها.
وفي النهاية، كل واحد دفع تمن سكوته.
الإجراءات القانونية رجعت الحقوق لأصحابها، واتحل موضوع الأرض بعيدًا عن المشاكل والتهديدات.
أبويا خسر جزءًا كبيرًا من شغله، لكنه وافق على تسوية قانونية والتزم بإرجاع الحقوق.
أما عمي حسن، فكان أول واحد وقف مع أمي ومنار.
بعد كام شهر، البيت اتغير تمامًا.
مفيش أسرار.
مفيش أبواب مقفولة.
ومفيش حد بيقول
دي مشاكل عيلة ومحدش يتدخل.
لأننا فهمنا إن بعض المشاكل لما تفضل مستخبية، بتكبر لحد ما تكسر العيلة نفسها.
أما أنا ومي
فكان لازم أواجه أصعب حاجة.
سألتها
ليه مخبيتي عليا من أول يوم؟
قالت
كنت خاېفة إنك تسمع كلمة واحدة عن أبوك، وتكرهني أنا كمان.
بصيت لها طويلًا.
وبعدين قلت
أنا زعلان إنك مخبيتي بس لو كنتي سبتيني أعرف الحقيقة بدري، كان ممكن كل ده يخلص من غير كل الخۏف ده.
مدت إيدها.
يعني لسه في فرصة؟
مسكت إيدها.
إحنا لسه في أول يوم من حياتنا.
ابتسمت وهي بټعيط.
بس ليلة فرحنا كانت کاړثة.
ضحكت وقلت
لا ليلة فرحنا كشفت کاړثة كانت موجودة من قبل ما نعرف بعض.
بعدها بسنة، رجعت من الشغل لقيت أمي في الحوش بتضحك، ومنار قاعدة جنبها، وعمي حسن بيشرب الشاي، ومي بتحضر الغدا.
أما أبويا
فكان واقف بعيد بيصلح كرسي قديم بإيده.
قربت منه.
قال من غير ما يبصلي
أمك لسه زعلانة مني.
قلت
عندها حق.
ابتسم وقال
وإنت؟
سكت شوية.
أنا مش هقدر أنسى.
هز راسه.
عارف.
وبعد لحظة قال
بس أتمنى في يوم تسامحني.
بصيتله.
السماح مش معناه إن اللي حصل مكنش غلط.
قال
عارف.
ومشيت.
وقتها فهمت حاجة عمري ما كنت أتخيلها
أحيانًا أسوأ ليلة في حياتك مش بتكون نهاية الدنيا بتكون الليلة اللي تخليك تشوف الحقيقة لأول مرة.
أنا دخلت ليلة فرحي وأنا فاكر إن أكبر هي إني شفت ست داخلة أوضة أبويا.
لكن الحقيقة؟
الست دي كانت راجعة تنقذ أمي وأنا كنت آخر واحد في البيت يعرف إن أمي هي صاحبة الحق الحقيقي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *