كاميرت مراقبة

حصرى..

روايات مشيره محمد

المشهد الثاني

​فتحت باب الحمام بكل قوتي، وصوت المية الشغالة كان طالع من الدُش، ودماغي كانت بتغلي من كمية السيناريوهات المرعبة اللي رسمتها في التلاتين دقيقة اللي فاتوا.

​حسين اتخض، ولف ناحيتي وبصلي بذهول، وهو ماسك في إيده فوطة صغيرة وطبق بلاستيك فيه مية دافية. فريدة كانت قاعدة على كرسى صغير ولابسة هدومها كاملة، بس كانت بتعيط بصوت واطي ومسكة في بطنها.

​صرخت فيه وأنا بحجز بينه وبين البت، وجسمي كله بيلتعد من الفزع:

— “أنت بتعمل إيه هنا؟! زقيت إيدك عنها يا راجل انت! حذرتك ورجعت اتعديت حدودك تاني!”

​حسين رجع خطوتين لورا ورجليه تخبط في سور البانيو، وطبّق الفوطة في إيده وبصلي بنظرة ما شفتهاش في عينه قبل كده.. ما كانتش نظرة حد مخضوض أو مذنوب، كانت نظرة راجل مكسور ومش قادر يتكلم.

​— “يا ابنتي اهدي بس وافهمي.. والله العظيم ما في مخيلتك حاجة من اللي بتفكري فيها.. افهمي الأول!”

​— “أفهم إيه؟! أترجاك وتقولي أرجوكي سيبيني أحميها؟ والهدوم اللي متوسخة ومخبية في الشنطة تحت الدولاب؟ والبت اللي مرعوبة وتقولي جدو قاللي ما أقولكيش؟! انت بتعمل إيه في بنتي يا حسين؟!”

​في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح ودخل شريف جوزي، وهو بيلهث وباين عليه إنه جاب الطريق جري بعد ما كلمته من عربيتي وأنا صارخة في التليفون.

​— “فيه إيه يا ندى؟! صوتكم واصل لآخر الشارع! إيه اللي بيحصل هنا؟!”

​شريف جه وقف بيني وبين أبوه، وبص لأبوه وبعدين بصلي ولفريدة اللي بدأت تعيط بأعلى صوتها من الهيصة والصريخ.

​مسكت شريف من قميصه وزقيته ناحية الحمام:

— “شوف أبوك يا شريف! شوف الأستاذ اللي خايف على البت وبيغسل هدومها بيلف ويدور حواليها ليه! شوف الراجل اللي كنت بتقولي عليه مربي أجيال وسواق أتوبيس مدارس!”

​شريف بص لأبوه بنظرة تايهة، وقال بصوت متلخبط:

— “يابا.. فيه إيه؟ فهمنا بالراحة.. الهدوم اللي ندى لقتها دي إيه؟ وليه بتغير للبت كل شوية وتغسل الهدوم على إيدك؟ وليه مش عايز ندى تحميها؟”

​عم حسين قعد على طرف البانيو، وطباطب على جبهته بتعب، ونزل رأسه بين إيديه. الفوطة وقعت منه على الأرض. الصمت ساد الحمام لثواني، ما فيش غير صوت نقط المية اللي بتنزل من الحنفية.

​رفع رأسه وبص لشريف، وعيونه كانت مليانة دموع حقيقية:

— “أنا كنت خايف.. كنت خايف أقولكم وتفتكروني بكبر الموضوع، أو تزعلوا مني وتقولوا الراجل كبر وخرف وخايف من خياله.”

​قربت منه بغضب:

— “تخرف إيه وتكبر إيه؟! انطق يا حسين! بنتي فيها إيه؟ وانت بتخبي إيه؟”

​حسين وقف بصعوبة، ومسك إيد فريدة بالراحة، والبت ما خافتش منه، بالعكس.. قربت منه ومسكت في بنطلونه. الحركة دي جمدتني مكاناني. لو كان بيأذيها، ما كانتش هتجري عليه وتستخبى فيه كدة!

​— “فريدة عندها نزيف يا ندى.. نزيف مش طبيعي بيجي ويقطع من شهرين.”

​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.

— “نزيف؟! نزيف إيه؟ دي بت عندها ست سنين!”

​عم حسين هز رأسه بأسى وبدأ يتكلم وصوته بيرتعش:

— “من شهرين، وأنا باخدها من المدرسة، لقيت هدومها من تحت فيها بقع دم. البت كانت خايفة وما فاهمة حاجة، وكانت فاكرة إنها عملت حاجة غلط وإنك هتزعلي منها وتضربيها. أخدتها على الشقة هنا قبل ما ترجعي من شغلِك، غيرتلها هدومها وغسلت الفستان على إيدي بالصابون المخصص عشان البقع بتروح صعوبة، وما رضيتش أحطه في الغسالة عشان شريف أو انتِ ما تشوفوهوش وتتخضوا.”

​شريف اتسمر مكانه وبص لأبوه بذهول:

— “دم؟! دم إيه يابا؟ وليه ما قلتلناش من أول يوم؟!”

​— “قلت يمكن حاجة عابرة.. جرح بسيط ولا خبطة في المدرسة وهي بتلعب. بس الموضوع اتكرر تاني بعد أسبوع.. وبعدين مرتين في الأسبوع! بقيت كل ما ألمح بقعة، أغيرلها الهدوم فوراً وأغسلها برة عشان ما ترعبكيش يا ندى، وكنت أترجاكي تسيبيني أحميها عشان أشوف الدم قل ولا زاد من غير ما تاخدي بالك وأنا بحاول أطهر المكان بمية دافية وبتادين أطفال!”

​دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس، وبدأت أستوعب الكلام اللي بيقوله، بس عقلي كان رافض يصدق البشاعة دي:

— “وليه.. ليه قلت للبت ما تقولليش؟! وليه الشنطة كانت تحت الدولاب؟!”

​حسين بصلي بنظرة عتاب مكسورة:

— “الشنطة دي كانت الهدوم اللي لميتها الأسبوع ده عشان كنت ناوي أخدها وأروح بيها لمستشفى أطفال أو دكتور تحاليل من وراكم، أخليه يفحص الدم اللي على الهدوم دي عشان أعرف السير إيه! والبت لما سألتني ليه بنعمل كدة، قلتلها: ‘ده سر بيني وبينك يا فريدة لحد ما نجيب العلاج ونقول لماما عشان ماما ما تعيطش وما تزعلش’.”

​وقعت على كربتي قدام باب الحمام، والبيت كله بدأ يلف بيا.

— “طب والنهاردة؟ الكاميرا شفتكم بتتكلموا عن حاجة بدأت تاني!”

​حسين مسح دموعه وقال:

— “النهاردة الأبلة في المدرسة كلمتني وقالتلي فريدة موجوعة ورافضة تتكلم وراحت الزائرة. أخدتها وجريت، وفي السكة البت قالتلي إن المغص رجعلها والدم نزل تاني.. كنت بحاول أحميها بمية دافية عشان المغص يهدى قبل ما أخدها ونطلع على المستشفى فوراً.”

​المشهد الثالث

​ساعة واحدة كانت كفيلة تتغير فيها حياتنا كلها.

الشكوك المرعبة اللي كانت بتاكل في قلبي اتحولت لخوف من نوع تاني أشد وألعن.. خوف على حياة بنتي.

​شريف شال فريدة وفردها على الكنبة في الصالة، وأنا كنت بغيرلها هدومها وأيدي بترتعش. عم حسين جاب الشنطة البلاستيك اللي فيها الهدوم المتوسخة، وطلعنا كلنا على أكبر مستشفى أطفال في القاهرة.

​في الشارع، العربية كانت ماشية بأقصى سرعة وشريف بيسوق كأنه في سباق مع الزمن. أنا كنت قاعدة في الكنبة الورانية واخدة فريدة في حضني، وعم حسين قاعد جنبي، باصص من الشباك وساكت، والدموع نازلة على خده ببطء.

​مديت إيدي بالراحة ومسكت إيد عم حسين.

— “سامحني يا حاج حسين.. أنا.. أنا دماغي راحت لبعيد أوي.. الشيطان دخل بيننا.”

​عم حسين بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وطبطب على إيدي:

— “ما تتأسفيش يا بنتي.. الزمان ده يخوف، وأي أم مكانك كانت هتعمل أكتر من كدة. أنا اللي أخطأت لما فكرت إن ممكن أحل موضوع زي ده لوحدي وأخبي عليكم عشان ما أقلقكمش. بس أنا كنت خايف عليكي وعلى شريف من الصدمة.. أنتِ عارفة فريدة دي بالنسبة لي إيه.. دي اللي فاضلاني من ريحة الحبايب.”

​وصلنا الطوارئ في المستشفى.

الدكاترة أخدوا فريدة فوراً ودخلوا بيها غرفة الكشف. الدكتورة النبطشية طلبت تفحص البت وتسألها شوية أسئلة، ودخلت أنا وشريف معاها، بينما عم حسين قعد برة ماسك سبحته وبيدعي بصوت طالع بالعافية.

​الدكتورة فحصت فريدة بالكامل، وشافت البقع اللي كانت على الهدوم اللي جابها عم حسين.

وجهها اتغير وبدأ يظهر عليه الجدية والتقطيب.

​— “الدم ده بيجي بانتظام؟ ولا في أوقات معينة؟”

​ندى بصوت متقطع:

— “جدها بيقول إنه بيجي ويقطع من شهرين يا دكتورة.. ساعات مرتين في الأسبوع وساعات يختفي أسبوع ويرجع.”

​الدكتورة بصت لفريدة وقالتلها بالحنية:

— “حبيبتي يا فريدة.. حاسة بوجع فين بالظبط؟”

​فريدة شاورت على أسفل بطنها:

— “هنا يا طنط.. بيجيلي مغص جامد زي ما أكون عايزة أرجع، وبعدين ألاقي حاجات حمرة نازلة مني.”

​الدكتورة قامت بسرعة وطلبت استدعاء أخصائي أورام وغدد صماء أطفال فوراً، وطلبت مجموعة تحاليل شاملة، وسونار على البطن والحوض، ورنين مغناطيسي عاجل.

​شريف أول ما سمع كلمة “أورام وغدد”، رجله ما شالتهوش وقعد على الكرسي.

— “أورام إيه يا دكتورة؟! البت عندها ست سنين بس!”

​الدكتورة حاولت تهديننا: روايات مشيره محمد

— “يا جماعة اهتدوا بالله، احنا بنعمل التحاليل دي عشان نستبعد كل الاحتمالات. فيه حالات عند الأطفال بتبقى مجرد اضطراب هرموني شديد أو حاجة اسمها ‘البلوغ المبكر الجسيم’، وفيه حالات تانية بتبقى بسبب مشاكل في الغدة الفوق كلوية أو أورام حميدة في المبيض بتفرز هرمونات ناضجة بدري عن وقتها. لازم نعمل أشعة فوراً عشان نعرف المصدر.”

​المشهد الرابع

​الليلة دي كانت أطول ليلة في حياتنا.

المستشفى كان هادي، وصوت الأجهزة هو اللي شغال. فريدة كانت نايمة على السرير بعد ما أدوها مسكن ومغذي في الوريد.

​أنا وشريف وعم حسين كنا قاعدين في الممر برة الأوضة. ما حدش فينا كان ينطق بكلمة.

عم حسين كان قاعد على الكرسي الخشب، ظهره منحني، ووشه دبلان كأنه كبر عشر سنين في الكام ساعة دول.

​شريف قرب من أبوه ونزل على ركبه قدامه ومسك إيديه الاثنين:

— “حقك عليا يابا.. أنا شكيت فيك لحظة.. أنا آسف يا حاج.”

​حسين رفع رأسه وبص لشريف بعيون دبلانة:

— “ما بتقولش كده يا شريف.. انت ابني، وندى بنتي، وفريدة حتة من قلبي. أنا اللي المفروض أعتذر لكم.. لو كنت تكلمت من أول يوم، كنا لحقنا البت بدري بدل ما نسيبها تتألم لوحدها وخايفة تقولكم.”

​ندى قعدت جنبهم ومسكت إيد عم حسين:

— “انت شلت شيلة تقيلة أوي يا عم حسين.. كنت شايل هم المرض وهم السر وهم القلق لوحدك.. ربنا يخليك لينا وما يحرمناش منك.”

​على الساعة أربعة الفجر، باب غرفة التحاليل اتفتح، وخرج الدكتور الاستشاري ومسح نضارته وبصلنا:

— “أهل المريضة فريدة شريف؟”

​قمنا التلاتة في نفس اللحظة بلهفة:

— “أيوه يا دكتور! طمنا أرجوك!”

​الدكتور أخد نفس عميق وقال:

— “النتائج بتاعة السونار والرنين ظهرت، ومعاها تحاليل الهرمونات.. الحمد لله، وصلنا للسبب الحقيقي.”

​شريف بلهفة:

— “إيه هو يا دكتور؟! خير؟”

​الدكتور:

— “فريدة عندها كيس هرموني كبير شوية على المبيض الأيمن (Ovarian Cyst)، الكيس ده نشط وبيفرز كميات كبيرة جداً من هرمون الإستروجين في جسمها بصفة غير منتظمة. الهرمون ده هو اللي بيخلي بطانة الرحم تنمو وتكتمل وبعدين تنزل على شكل نزيف يشبه الدورة الشهرية، وده اللي بنسميه في الطب ‘بلوغ كاذب مبكر’ بسبب الكيس.”

​أنا مسكت في قميص شريف وأنا بعيط من الارتياح والرهبة في نفس الوقت:

— “طب.. طب وده علاجه إيه يا دكتور؟! خطير؟”

​الدكتور ابتسم عشان يطمنا:

— “الحمد لله إنه مش ورم خبيث ولا حاجة دايماً. ده كيس حميد تماماً، بس حجمه وموقعه هما اللي عاملين اللخبطة دي كلها وبيسببوا لها المغص والنزيف المتكرر. احنا هنعمل لها جراحة منظار بسيطة جداً بكرة الصبح، نشيل الكيس ده بالكامل ونحافظ على المبيض وزي الفل. وبعد العملية، مستويات الهرمونات هترجع طبيعية تماماً والنزيف هيقف ويرجع جسمها لطبيعته كطفلة عندها ست سنين.”

​عم حسين خر ساجد على أرض المستشفى، وبدأ يبكي بصوت مسموع ويشكر ربنا بصوت يهد الجبال:

— “الحمد لك يا رب.. الحمد لك يا رب.. نجيتها يا رب.. الحمد لله!”

​المشهد الخامس

​بعد يومين..

​الشمس كانت طالعة ودافية، مالية بلكونة شقتنا.

فريدة كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، لابسة الفستان الأزرق اللي بتحبه، وفي إيدها علبة ألوان وبترسم. الجرح بتاع المنظار كان بسيط جداً، والدكاترة سمحولها ترجع البيت بعد ما اطمنوا إن كل حاجة تمام ومستويات الهرمونات نزلت لمعدلها الطبيعي.

​أنا كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا، وشريف قاعد جنب فريدة بيلعب معاها، وعم حسين قاعد في كرسيه الهزاز المفضل، ماسك جStandard وأغاني كوكب الشرق شغال بصوت واطي في الخلفية.

​طلعت من المطبخ ومسك في إيدي صينية عليها كوبايتين شاي بنعناع وكوباية لبن لفريدة.

​حطيت الصينية على الترابيزة وقربت من عم حسين:

— “اتفضل يا حاج حسين.. الشاي اللي بتحبه.”

​عم حسين بصلي وابتسم، وبص لفريدة اللي كانت بتضحك مع أباها.

— “تسلم إيدك يا بنتي.. الحمد لله إن الغمة زالت والبيت رجعت فيه الروح.”

​قعدت جنبه على الكرسي ومسكت إيده:

— “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا عم حسين.. لو ما كنتش أخدت بالك واهتميت بالبت كل الأيام دي، كان ممكن الموضوع يتطور أكتر من كدة ونكتشفه متأخر. انت كنت السند والأمان ليها ولينـا.”

​عم حسين هز رأسه بالراحة وقال بنبرة مليانة حكمة:

— “يا بنتي، البيت ده ملموم بالمحبة والتفاهم. اللي حصل ده درس لينا كلنا.. أنا اتعلمت إن السكوت والخوف من المواجهة ممكن يهد بيوت ويعمل شكوك مالهاش لازمة، وانتِ اتعلمتي إن الظنون والشيطان ممكن يعموا العين عن الحقيقة. المهم إننا طلعنا منها إيد واحدة، وفريدة زي الفل وسطنا.”

​فريدة سابت الألوان وقامت جرت على جدها، ونطت في حضنه بالراحة:

— “جدو.. هو انت لسه هتخليني أرسم معاك قبل النوم؟”

​عم حسين ضمها لحضنه وباس رأسها:

— “أنا هفضل أرسم معاكي وأحكيلك حواديت لحد ما تروحي الجامعة يا قلب جدو.. بس من غير أسرار تاني خالص! أي حاجة تحصل نقولها لماما وبابا على طول.”

​فريدة ضحكت وقالت:

— “وعد يا جدو.. ما فيش أسرار تاني!”

​شريف بصلي وابتسم، وأنا أخدت نفس عميق وحسيت بإن البيت أخيرًا رجع فيه الأمان الحقيقي.. الأمان اللي مش محتاج كاميرات مراقبة ولا شكوك، أمان العيلة اللي بتفهم بعضها وتحمي بعضها في أصعب اللحظات.

تمت.. روايات مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *