الجزء الثالث
الفصل الثالث عشر
بين ظلال الحب بقلم شروق مصطفى
أخذ يلعن قراره مئة مرة، كيف سمح لنفسه أن يكون بجوارها في المكان نفسه بلا فاصل؟ كانت عيناه لا تفارقانها، تلتقطان تفاصيل حركاتها، انفعالاتها، غضبها الصامت، وحتى لحظات انغماسها في الرسم. تسلل إليه شعور دافئ وهو يراها أمامه، حبه الأول ينبض بالحياة، كأنه يراها للمرة الأولى.
كل شيء يدفعه للبوح، لكنه تراجع، متذكرًا تحذير ابنة عمها بأن الحديث عن الماضي قد يعيد لها حالة الهوس التي تخافها. قرر أن يبدأ طريقه نحو قلبها كصديق أولاً، حتى يكون مستعدًا لاحقًا لمصارحتها.
لم يطل تفكيره كثيرًا، نهض وتوجه إليها بخطوات ثابتة، ووقف أمام لوحة الرسم، يرسم ابتسامة هادئة على وجهه وهو يهمّ بحديثها:
_ ميعاد الغدا هتيجى معايا ولا شبعانة زي امبارح؟
تركت القلم ونهضت بسرعة، فقد سئمت من جلوسها الطويل:
_ انا جايه معاك.
خرج وهي تتبعه باتجاه المطعم، حيث طلب كل منهما طعامه الخاص. جلس على طاولة وبدأ في تناول طعامه، بينما وقفت هي حاملة طبقها، تتلفت حولها بحثًا عن مكان فارغ. عندها ناداها بدر مشيرًا إلى مقعد بجواره:
مش هتلاقي مكان، تعالي هنا، الوقت قرب يخلص.
جلست معه على نفس الطاولة، وتناولت طعامها في صمت حتى قطعه هو بسؤاله:
عملتي إيه في التصميمات اللي محتاجها النهارده؟ ما تمشيش إلا لما تخلصيها، عشان هتدخل المصنع النهارده ويبدأوا فيها. كلمي البيت وبلغيهم إنك هتتأخري.
نظرت إليه بامتعاض، وقالت بغضب مكتوم: _ حاضر.
أنهى طعامه، قائلاً:
متتأخريش، البريك فاضل له خمس دقايق بس.
تركها وذهب، فنظرت خلفه متمتمة بسخرية، مقلدة صوته:
“متتأخريش، البريك خمس دقايق!” غلس… كأنّي مش عارفة! يا ربي على الورطة اللي أنا فيها.
أنهت غداءها هي الأخرى، ثم نهضت متجهة إلى مكتبها لتكمل باقي التصميمات.
…
في مكان آخر، سلّم شخصٌ ما بعض الأوراق لشخصٍ مجهول، قائلاً:
كل حاجة موجودة هنا بالتفصيل الممل.
ألقى الآخر نظرة سريعة على الأوراق، ثم أخرج من جيبه بعض المال وقال:
هايل، هايل… وده نصيبك، مش خسارة فيك. الباقي عليّ أنا. سلام، وانت بقى.
…
اتصلت من المكتب تُبلغ من في المنزل بأنها سوف تتأخر اليوم، واتفقت مع عهد أن تأتي لأخذها في طريقها بعد إغلاق العيادة. عادت إلى عملها لتكمله، وبينما كانت ترسم، رفعت عينيها ونظرت نحوه. كان منهمكًا في بعض الأوراق أمامه، فشردت للحظة في ملامحه، مسترجعة ذكريات لحظاتهم السابقة؛ كلماته، قربه منها، ضحكته، ولقاءاتهما معًا.