ياسين. روايات مشيره محمد

من سنتين بالظبط، الدنيا اسودت في عيني. أنا “ياسين”، كنت عايش حياة هادية مع مراتي وابني اللي كان عنده 6 سنين، وفي لحظة.. حادثة عربية خدتهم مني وسبتني لوحدي. مكنتش عايش، كنت مجرد خيال مآتة.. أروح الشغل وأرجع أترمي على الكنبة، مقدرش أدخل أوضة النوم من الوجع والذكريات اللي فيها.

​وفي ليلة، وأنا بقلب في الفيسبوك، عيني جت على بوست لجمعية رعاية أطفال. كانوا كاتبين نداء استغاثة عشان أربعة إخوة: كريم (9 سنين)، نور (7 سنين)، سلمى (5 سنين)، والصغير مروان (3 سنين).

​أهلهم اتوفوا، وعشان مفيش حد رضي يتبنى الأربعة مع بعض، الجمعية كانت مضطرة تفرقهم وكل واحد يروح بيت شكل. قفلت البوست، بس صورتهم متمسحتش من خيالي.. حسيت بوجعهم، كفاية إنهم خسروا أهلهم، كمان هيخسروا بعض؟

​تاني يوم الصبح، لقيت رجلي واخداني لدار الأيتام. الموظفة هناك قالت لي بأسى: “يا أستاذ ياسين، ده الخيار الأفضل ليهم، مفيش عيلة تقدر تفتح بيتها لأربعة مرة واحدة.. الحمل تقيل.”

​أول ما شوفتهم واقفين ماسكين في إيد بعض، قلبي اتنفض.. حسيت إن في “إشارة” بتقولي دول عوضك. من غير تفكير قلت لها:

“أنا هاخدهم الأربعة.. ابدأوا الإجراءات فوراً.”

​البداية مكنتش وردي خالص.. “مروان” الصغير كان بيصحى يصرخ بالليل وينادي على مامته، والكبار “كريم ونور” كانوا بيبصولي بشك وخوف، وواخدين جنب كأني غريب. بس مع الصبر والحنية، البيت اللي كان ضلمة ومقبض، بدأ يتملى ضحك ولعب وعجل مرمي في الصالة.. حبيتهم كأنهم من صلبي، ونسيت بيهم وجعي القديم. روايات مشيره محمد

​عدت سنة كاملة.. وفي صباح يوم هادي، الباب خبط.

فتحت لقيت ست شيك جداً، ملامحها جدية ومعاها شنطة أوراق، سألتني:

“حضرتك الأستاذ ياسين اللي اتبنى الأربعة إخوة؟”

​هزيت راسي بقلق، كملت كلامها وهي بتطلع ملف:

“أنا محامية.. وكنت أعرف الأهل الحقيقيين للولاد دول بره مصر. هما سابوا وصية أمانة عندي، وكان لازم أوصلها لك لما أتأكد إنك الشخص الصح.”

​مدت إيدها بالملف.. إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه، وأول ما بدأت أقرا، نفسي انقطع.. الصور اللي جوه الملف كانت لصاحب عمري وأخويا اللي سافر وانقطعت أخباره من سنين طويلة “علاء”.

​المحامية قالت لي: “علاء ومراته لما عرفوا إن مرضهم ملوش علاج، كتبوا الوصية دي.. علاء مكنش واثق في حد في الدنيا يشيل ولاده غيرك، وكان واثق إن القدر هيجمعك بيهم حتى لو ملقيتش الوصية، لأنك الشخص الوحيد اللي مكنش هيسيب ولاد أخوه يتفرقوا.”

​فتحت باقي الورق، لقيت عقود ملكية لبيت كبير وحساب بنكي متأمن باسم الولاد، وعلاء كاتب في آخر الورقة: “يا ياسين، أنا عارف إنك مش هتسيب لحمي يترمي.. دي أمانتي عندك.” روايات مشيره محمد 

​بصيت للأولاد وهم بيلعبوا في الصالة، “مروان” اللي كان بيخاف مني بقى ينام في حضني، و”كريم” اللي بقى سندي.. مكنتش مصدق إن ربنا رتب كل ده عشان يرجع لي “عيلة” حقيقية، وعشان يثبت لي إن الخير اللي بتعمله بيرجع لك في أكتر وقت أنت محتاج فيه للنور.

​تمت.

بقلم مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *