عودة من الموت

تجمدت الأنفاس في الصالة. القرآن شغال، وصوت الشيخ “عبد الباسط” بيتردد في الأركان، لكن فجأة ساد صمت غريب بعد كلمة “علي”.

​سارة اتنفضت من مكانها، السلسلة الدهب لسه في إيدها، ووشها قلب أصفر زي الكفن. أحمد بَص لعلي بحدة وهو بيحاول يداري ارتباكه، وقال بصوت واطي ومبحوح:

— “عيب يا حبيبي.. خالتي راحت عند ربنا، ادعيلها.”

​بس الواد صمم، مد صباعه الصغير وشاور على الفتحة اللي في النعش وهو بيشد جيبة أمه:

— “والله يا ماما.. دي عينيها بتتحرك.. وبتبكي!”

​في اللحظة دي، القوة ردت في إيدي فجأة، كأن غريزة البقاء هي اللي حركتني. خبطت غطا النعش بإيدي اللي كانت متلجة.. خبطة واحدة بس، كان ليها صدى زي الرعد في الصالة.

​أمي رمت المصحف من إيدها وصوتت:

— “فاطمة!!”

​الناس اللي كانت قاعدة بدأت تقف، والهمهمات زادت. أحمد وسارة وقفوا مكانهم كأنهم أصنام، الرعب شل حركتهم. أنا بدأت أزق الغطا بكل قوتي، الهوا اللي دخل صدري كان بارد بس طعمه زي الحياة. رفعت راسي وأنا بنهج نهج مرعب، وشعري نازل على وشي، وعيني جات في عين أحمد.

​أحمد رجع لورا ووقع الكرسي وراه، وسارة السلسلة وقعت من إيدها على الأرض ورنت رنة خلت الكل يبص عليها.

​— “أنا لسه ممُتش يا أحمد..” قلتها بصوت عامل زي الحشرجة، طالع من بئر غريق.

​أمي جريت عليّ وهي مش مصدقة، بتلمس وشي وتعيط وتضحك في نفس الوقت، والناس بدأت تتجمع والهرج والمرج ملا المكان. وسط الزحمة دي، عيني كانت مركزة على سارة اللي كانت بتحاول تداري السلسلة برجلها، وأحمد اللي بدأ ينسحب ناحية الباب بوشه اللي بقى زي الجثث.

​— “استنى يا أحمد..” صرخت فيه وأنا بحاول أسند نفسي على حافة النعش، “اللبن كان طعمه مر قوي يا سارة.. بس الحقيقة طعمها أمرّ.”

​الكل سكت. نظرات الشك بدأت تروح ناحيتهم. أمي بصت للسلسلة اللي على الأرض، وبصت لأحمد، وبدأت تفهم ليه كان مستعجل على الدفن وليه كان رافض يخلي أي حد يغسلني غير “مُغسلة” معينة هو اللي رشحها.

​الخوف في عينيهم كان هو الدوا اللي فوقني. اللعبة لسه مخلصتش، والمنصورة كلها الليلة مش هتحكي غير عن “فاطمة” اللي رجعت من الموت.. عشان تدفنهم هما في نار أفعالهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *