عودة من الموت1
صحيت من مـ,ـوتي… وأنا في عز العزا بتاعي. وفي اللحظة اللي فتحت فيها عيني… لقيت جوزي بيلبس دهبي لأختي… وبيقول إنها كانت وصيتي! اتعمل لي عزاء طول الصبح في بيت أمي في المنصورة… وأنا نايمة جوه النعش، والناس حواليّ بتقرأ الفاتحة وبتقول: “الله يرحمها ويغفر لها” كأني خلاص روحت… مش واحدة لسه روحها في جسمها ومش عارفة تتحرك. اسمي بقى فاطمة… بس في اللحظة دي، كنت حاسة إني ولا اسم ولا روح… مجرد جسم محبوس. أول حاجة حسّيت بيها كانت ريحة البخور والورد البلدي، مع شمع سايح وقهوة باردة… والجو كله مليان حزن وخنقة. بعدها حسّيت بحـ,ـرقان في حلقي، وضغط على صدري… كأن في حد قاعد عليه… وإحساس مرعب إن في حاجة غلط… غلط كبير. إيدي كانت ساقعة، ووشي مخدر… ولساني ناشف بطعم مُر كأنه دوا. غطا النعش كان مش مقفول بإحكام… ومن فتحة صغيرة شفت الصالة… الكراسي متزقوقة، الأرض فيها شمع… وصورتي متعلقة بشريطة سودة. بصراحة… اتخضّيت من نفسي. آخر حاجة فاكرها… كوباية لبن دافي جابتهالي أختي سارة، وقالت: “اشربي يا فاطمة، يمكن تهدي شوية.” وكان جوزي أحمد واقف متوتر… لما سألته عن فلوس اتسحبت من الحساب. وبعدها… ظلام تقيل. حاولت أتحرك… جسمي كله وجع. وفجأة… سمعتهم. — كفاية بقى يا أحمد… سيب الحاجة دي — صوت أمي وهي بتعيط — لسه ما اتدفـ,ـنتش. — أنا هلبسهاله — قال أحمد بصوت هادي. بصّيت من الفتحة… وشفتهم. أحمد لابس أسود، شكله محترم قدام الناس… بس عينيه ناشفة. وسارة واقفة جنبه… عاملة نفسها مكسورة. وفي إيده… سلسلتي الدهب… اللي فيها “الله”… اللي جدتي ادهالي، وقالت لي: “خليها معاكي دايمًا، دي بركة.” عمرى ما قلعتها. شافته وهو بيلبسها لسارة. قلبي اتقطع. — فاطمة كانت عايزاها تبقى معاكي — قال أحمد. كداب. سارة كانت دايمًا بتغير مني… وتقول إني واخدة كل حاجة حلوة. بس ما توقعتش توصل لكده. — طب ولو حد شاف؟ — قالت سارة بخوف — حاسة إن ده حرام. أحمد بص حواليه وقال: — يا سارة… دي ماتت. ربنا يرحمها وخلاص. دموعي نزلت من غير صوت. أمي زوّدت صوت القرآن… كأنها حاسة إن في حاجة غلط. بس أنا بس اللي سامعة الحقيقة. — الورق خلص… والتأمين كمان — قال أحمد — بعد أسبوعين نسافر ونبدأ حياتنا. — أنا كنت خايفة امبارح… لما شربت اللبن تحس بحاجة — قالت سارة. اللبن… فاطمة فهمت. هم اللي عملوا كده. — قلتلك مش هيحصل حاجة — رد أحمد — نامت على طول… وربنا ستر. “ربنا ستر”… بيقولها وهو قـ,ـاتل! حاولت أصرخ… أقول “أنا عايشة!” بس صوتي ما طلعش غير أنين ضعيف. عضّيت لساني عشان ما أصرخش… وخفت يسمعوني قبل ما أعرف أتصرف. وفجأة… حصل اللي ما كانوش عاملين حسابه. علي… ابن سارة الصغير… قرّب من النعش… ماسك مصاصة… وبص جوه… وسكت. وبعدين قال بصوت عالي: — ماما… خالتي بتبصلي! لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك علي قالها بصوت عالي كفاية يخلي القاعة كلها تسكت لحظة واحدة كأن الزمن وقف فجأة المصاحف اتخفض صوتها والستات بصوا لبعض برجفة وأمي قامت من مكانها وهي بتقول بعصبية مكتومة عيب يا ولد ما تقولش كده حرام لكن علي كان باصص ناحيتي بعينين ثابتين مش بتهزر ومش بتلعب وقال تاني لا يا ماما هي بتبصلي أنا شفتها بتتحرك ساعتها قلبي خبط بقوة كأنه عايز يكسر صدري ويخرج للعالم أنا جوه النعش حسيت بدم بيدفأ في عروقي لأول مرة من ساعات طويلة حاولت أفتح عيني أكتر حاولت أزق الجفن التقيل بإرادة ضعيفة بس موجودة ونجحت فتحة صغيرة كبرت شوية الضوء دخل في عيني كالسهم وجعني لكن كان دليل إني لسه عايشة فعلا بره أحمد اتوتر لحظة وبص بسرعة حوالين الناس وهو بيضحك ضحكة مصطنعة وقال ده عيل صغير بيتخيل يا جماعة ما تكبروش الموضوع لكن سارة إيدها كانت بترتعش وهي لابسة سلسلتي وبصت ناحية النعش بخوف واضح أمي قربت خطوة وهي بتبص لعلي وبعدين للنعش كأن الشك بدأ يتسلل لقلبها وأنا من جوه جمعت كل قوتي وحركت صباعي حركة بسيطة خفيفة جدا بس كفاية تخلي حد مركز يلاحظ الغطا الخشب خبط خبطه خفيفة مع الحركة دي صوت بسيط لكنه كان زي صرخة في الصمت اللي حواليا علي صرخ بجد المرة دي وقال ماما اتحركت أمي شهقت وراحت ناحية النعش بسرعة والناس بدأت تتجمع حواليه أحمد حاول يسبقها ويمسك الغطا وهو بيقول استنوا يا جماعة بس ساعتها أنا حركت إيدي تاني بقوة أكبر وخبطت الغطا من جوه صوت أوضح المرة دي سكون رهيب وبعده صرخة واحدة طلعت من أكتر من حد أمي صرخت فاطمة ووقعت على ركبها وهي بتحاول تفتح الغطا أحمد حاول يمسكها ويبعدها وهو بيقول دي أعصاب بس بس كانت متأخرة الغطا اتفتح فجأة بإيدين رجالة من الحاضرين وأنا فتحت عيني على وسعهم قدامهم كلهم أول نفس دخل صدري كان زي نار حرقتني سعلت بقوة وجسمي كله انتفض الناس رجعت لورا في رعب وواحدة من الجيران صرخت دي عايشة أنا بصيت حواليا بعينين مرعوبين لقيت أمي بتعيط وبتحـ,ـضني وأنا لسه نصي جوه النعش ونصي برا وهي بتقول بنتي عايشة يا ناس بنتي عايشة أحمد وشه كان شاحب كأنه شاف شبح وسارة كانت بترجع لورا خطوة خطوة والسلسلة على رقبتها بتلمع كأنها شاهدة على جـ,ـريمتهم حاولت أتكلم صوتي خرج مكسور ضعيف بس مفهوم قلت لهم ما تمشوش وراهم ما تمشوش ورا أحمد وسارة هم اللي عملوا فيا كده سكون تاني بس مش نفس السكون دي المرة دي كان سكون صدمة وغضب العيون كلها اتجهت عليهم أحمد اتكلم بسرعة وهو بيهز راسه لا لا هي مش واعية دي لسه مخدوعة بالكلام ده سارة بدأت تعيط وتقول أنا معملتش حاجة أنا مليش دعوة بس أنا رفعت إيدي المرتعشة وقلت اللبن اللبن اللي ادتهولي سارة امبارح فيه حاجة خلتني أنام ومصحاش وأحمد كان عارف والفلوس اللي اتسحبت من الحساب التأمين الورق كله كانوا بيخططوا يمـ,ـوتوني ويقولوا قضاء وقدر أمي قامت وقفت قدامهم كأنها لبؤة بتحمي بنتها وصرخت فيهم انتوا عملتوا كده في بنتي يا ولاد الكلب الناس بدأت تغلي واحد من الرجالة مسك أحمد من هدومه وقال له هات الحقيقة بدل ما نطلعها منك غصب وسارة وقعت على الأرض وهي بتصرخ وتقول ماكنتش قصدي هو اللي قالي أنا كنت خايفة بس هو طمني أحمد حاول يفلت وهو بيزعق كدب دي مجنونة دي بتخرف لكن حد من الشباب كان شاف السلسلة على رقبة سارة وقال له لو هي كانت وصية ليه بتتلبس قبل الدفـ,ـن وليه هي نفسها بتقول غير كده وبدأت الهمهمة تتحول لغضب واضح في العيون أنا كنت لسه تعبانة وجسمي بيرتعش بس الحقيقة خرجت خلاص ومفيش رجوع أمي طلبت الإسعاف والشرطة في نفس الوقت وفضلت ماسكة فيا وأنا بحاول أقعد بصعوبة رجالة شالوني من النعش وحطوني على كنبة وأنا حاسة إن كل عضلة في جسمي بتصرخ من الألم لكن جوايا كان في قوة غريبة قوة النجاة وقوة الحقيقة اللي ظهرت أحمد اتقيد بإيدين اتنين من الحاضرين لحد ما الشرطة تيجي وسارة كانت منهارة بتبكي وبتقول سامحيني يا فاطمة سامحيني بس أنا بصيت لها نظرة واحدة كانت كفاية تقول إن مفيش سماح بعد اللي حصل بعد شوية وصلت الإسعاف والدكاترة ابتدوا يفحصوني بسرعة وقالوا إني اتعرضت لمادة مهدئة قوية جدا ممكن تخلي النبض ضعيف لدرجة يبان إني مت لكن ربنا كتبلي عمر جديد نقلوني المستشفى وأنا ماسكة إيد أمي ومش قادرة أسيبها خايفة أقفل عيني تاني ومافتحهاش في الطريق سمعت صوت siren عالي لكنه كان موسيقى نجاة بالنسبة لي في المستشفى فضلت تحت الملاحظة يومين كاملين والشرطة حققت معايا ومع كل اللي حضروا العزاء علي الصغير كان شاهد مهم قالهم إنه شاف عيني بتتحرك وكلامه كان بداية كشف كل حاجة لما واجهوا سارة انهارت واعترفت إن أحمد هو اللي خطط لكل حاجة وإنهم حطوا مادة في اللبن علشان يخلوني أفقد الوعي ويستغلوا ضعف النبض ويعلنوا وفـ,ـاتي وياخدوا التأمين والفلوس ويسافروا ويبدأوا حياة جديدة مع بعض أحمد حاول ينكر في الأول لكن الأدلة كانت ضده سحب الفلوس تسجيلات كاميرات من البنك رسائل بينهم واتسجلت من تليفون سارة كل حاجة وقعت فوق دماغه مرة واحدة اتحبسوا هما الاتنين وأنا رجعت بيت أمي بس مش نفس البنت اللي خرجت منه يومها أنا رجعت بعين شايفة الدنيا بشكل تاني عرفت إن أقرب الناس ممكن يكونوا أخطرهم وإن ربنا أحيانًا بيكشف الحق في آخر لحظة قبل ما تضيع روح بريئة أمي كانت جنبي طول الوقت تحـ,ـضني وتبكي وتقول لي ربنا ردك لي من المـ,ـوت وأنا كنت بحاول أرجع للحياة خطوة خطوة جسمي اتحسن بس قلبي كان محتاج وقت أطول كتير عدت شهور والمحكمة حكمت عليهم بالسجن وأخدت حقي بالقانون لكن أهم من كده إني أخدت حقي من الخوف بقيت أقوى بقيت عارفة إن حياتي مش هتضيع بسهولة وإن اللي نجاني مرة قادر ينجيني ألف مرة وفي يوم وأنا واقفة قدام المراية لمست رقبتي مكان السلسلة اللي اتسـ,ـرقت مني وحسيت بفراغ بسيط بس ابتسمت لأن الحقيقة إن البركة مش في السلسلة البركة في الروح اللي رجعت لي من تحت التراب وأنا لسه عايشة
