لما جوزى ركب الطيارة.. مشيره محمد
لـما جـوزي ركـب الطـيارة، ابـني اللـي عنده 6 سنين مسك إيدي وهمس: “ماما، مش هنقدر نرجع البيت. أنا سمعت بابا بيخطط لحاجة مرعبة لينا.” استخبيت بيه فوراً… وبعدين فتحت كاميرات المراقبة واتسمرت في مكاني.
المطار كان ريحته ميكس بين قهوة محروقة، ومطهرات، ومطرة غرقانة في هدوء هدوم الناس.
عجل الشنط كان بيتكتك على البلاط وكل اللي حواليّا تحسهم عارفين هم رايحين فين بالظبط.. كل الناس ما عدا أنا.
طارق كان ماشي ناحية طابور النداهة لبوابة طيارته اللي رايحة أسوان، جاكت بدلته على دراعه، وابتسامته الهادية المعتادة على وشه. وطى وباس ابننا على جبهته نفس البوسة السريعة اللي بيعملها كل مرة.
وفجأة، مروان مسك إيدي وضغط عليها.
ما كانتش ضغطة طفل مش عايز أبوه يسافر.. كانت أقوى من كده بكتير. كانت ضغطة واحد مستنجد.
لما بصيت تحت، ابني اللي عنده ست سنين كان مبحلق في ضهر طارق كأنه شايف راجل غريب لابس وش أبوه.
”ماما،” مروان همس، “مش هنقدر نرجع البيت.”
صدري اتفاجئ بوجع ووحشة.
”قصدك إيه يا حبيبي؟”
صوته وطي أكتر وأكتر.
”أنا سمعت بابا الصبح وهو بيخطط لحاجة وحشة قوي هتحصلنا.”
طارق كان خلاص بيوري موظف الطيران بوردنج التذكرة.
الشاشة اللي فوق البوابة كانت كاتبة: 8:41 صباحاً — أسوان — النداء الأخير.روايــات_مشـيره_مـحمد
ست ورايا نفخت عشان وقفت فجأة في نص الممر. راجل لابس بدلة وماسك كوباية قهوة وطى صوته وهو بيتكلم في التليفون. حتى موظف البوابة رفع عينه وبصلي لثانية، كأن الهوا اللي حوالينا اتغير فجأة.
نزلت على ركبي قدام مروان وبدأت أعدل له الجاكت الصغير بتاعه، بس في الحقيقة كنت بعمل كده عشان محدش يشوف إيديا وهي بترتعش.
سألته: “سمعت إيه يا مروان؟”
مروان بلع ريقه.
هو صحيح عنده ست سنين بس، لكن في اللحظة دي، عينيه كانت شايلة هم أكبر من عيني أنا شخصياً.
قال بصوت مخنوق: “بابا كان في الجراج بيتكلم بالراحة في التليفون.. قال إنهم لازم يدخلوا جوه النهاردة قبل ما إحنا نرجع. وقال إنه ‘هيخلص من المشكلة’ وإننا ما ينفعش نكون قريبين من البيت.”
رعشة ساقعة ضربت قفايا.
طارق كان بيتغير بقاله شهور، بس أنا كنت جدعة زيادة عن اللزوم، عندي أمل زيادة عن اللزوم، ومتربية على إني أستحمل وأخلق أعذار لجوزي.
مكالمات تليفون بيقفلها أول ما أدخل الأوضة.
سفريات شغل بتطلع فجأة في نفس اليوم بعد الظهر.
باسوردات جديدة لكل حاجة.
والجراج اللي بقى يتقفل بالترباس من جوه.
في مرة، لقيت ورقة مطبقة بين فواتيره، ولحقت ألمح اسمي مكتوب فيها قبل ما يتخطفها من إيدي بضحكة متوترة.
تسع سنين جواز بيعشّموك إنك تصدق التفاصيل الصغيرة.
طارق كان زمان بيشيل مروان من العربية لما ينام.. كان بيسخن لي القهوة لما أنسى أفطر.. كان بيبعت مسج بس عشان يقولي: “وصلت بالسلامة”.
عشان كده خدت وقت طويل قوي عقبال ما أستوعب الحقيقة.
الطيبوبة ممكن تكون مجرد قناع.
ولما حد بيلبس قناع لسنين، بتبدأ تتلخبط وتفتكره وشه الحقيقي.
ملمتش الناس عليا.
مجريتش ورا طارق.
مصرختش باسمه وسط الغرباء.
كل اللي عملته إني مسكت إيد مروان ومشيت في الاتجاه العكسي.
على ما وصلنا لجراج العربيات، قلبي كان بيدق جامد لدرجة إني كنت سامعة دقاته في وداني. ركبت مروان الكرسي اللي ورا، وقفلت السنتر لوك، وقعدت أتنفس من بوقي عشان ما انهارش.
ساعة التابلوه كانت 8:56 صباحاً.
طارق مكنش بقاله غير قسايم دقايق بس بعيد عننا، بس لسبب ما كنت حاسة كأن إيده لسه مخنوقة على رقبة بيتنا.
فتحت الأبلكيشن بتاع كاميرات المراقبة على الموبايل.
الكاميرا الأولى كانت جايبة المطبخ.
فاضي.
المج الأزرق بتاع طارق لسه محطوط جمب الحوض.
الكاميرا التانية كانت جايبة الطرقة، هادية، ونور الصبح كان بيزحف من تحت الباب الشقة الرئيسي.
بعدين دوست على كاميرا الجنينة اللي ورا البيت.
وهناك.. كانوا واقفين.
راجلين.
مش جيرانا.
مش عمال صيانة.
ولا أي حد أنا سمحت له في يوم يقرب من بيتي.
واحد منهم كان لابس كاب غامق وماسك شنطة عِدة. والتاني كان بيجر كرسي من بتوع الجنينة ويحطه تحت الكاميرا اللي فوق الباب الألوميتال الجرار.
تحركاتهم كانت سريعة.
سريعة زيادة عن اللزوم.
مفيش تردد.
مفيش فرجة حواليهم.
مفيش لغبطة.روايــات_مشـيره_مـحمد
كان شكلهم ناس عارفين بالظبط كل كاميرا مكانها فين، أنهي سلك يتفصل، وأنهي زاوية ما يظهروش فيها.
الساعة 9:03 الصبح، خدت أول سكرين شوت.
الساعة 9:04، بدأت أسجل شاشة الموبايل فيديو (Screen Recording).
الساعة 9:05، الراجل اللي لابس كاب رفع شنيور في وش الكاميرا بالظبط.
الصوت مكنش شغال، بس كنت قادرة أتخيله.
معدن بياكل في بلاستيك.
مسامير بتتفك.
والبيت بيتعمي خطوة ورا خطوة.
مروان م سألش عن أي حاجة من الكرسي اللي ورا.
كان بس ضامم ركبه لصدري ومثبت قورته على حزام الأمان.
السكوت ده رعبني أكتر من لو كان قعد يعيط.
فتحت سجل الأنشطة (Activity Log) بتاع الأبلكيشن.
آخر دخول: 6:17 صباحاً.
حساب المسؤول (الأدمن).
تفعيل خاصية “صلاحية مؤقتة”.
مشاهدة سجل دخول الباب الخلفي مرتين.
ولا سطر من دول كان المفروض يكون موجود!
طارق كان قايلي إنه ملمسش “حوار الكاميرات ده” بقاله شهور.
الكذبة مش دايماً بتيجي بتصرخ.. ساعات بتظهر على شكل سطر رمادي على شاشة موبايل.
رجعت بسرعة للفيديو اللايف في نفس اللحظة اللي الراجل اللي واقف على الكرسي لوى فيها إيده.
الصورة اتهزت.
الجنينة اتقلبت على جنبها.
الراجل التاني بص ناحية الباب الجرار ورفع صباعه الإبهام لفوق (تمام)، كأن فيه حد على الناحية التانية من الخط بيقوله كمل.
وبعدين الإشارة قطعت.
الشاشة اسودت.
قعدت هناك في العربية المقفولة، الموبايل في إيدي، وسامعة صوت نفسي بالعافية.
طارق على الطيارة.. ده اللي شاشة المطار كانت بتقوله.
ده اللي التذكرة بتاعته كانت بتقوله.
دي النسخة النضيفة والمترتبة من الصبحية دي.
بس بيتنا مكنش مستنيه لما يقرر يوصل بالسلامة.. بيتنا كان بيتفتح ويتشال من جذوره حالاً.
رجعت الفيديو لآخر ثانية اتسيفت قبل ما البث يقطع.
عملت كده بدون تفكير، نفس الطريقة اللي بتلمس بيها تعويرة في جسمك لمجرد إنك تتأكد إنها حقيقية وبتوجع.
الصورة ثبتت على كادر واحد.
عملت زووم بصوباعيني.
وفي الزاوية التحتانية، ورا واحد من الرجالة دول بالظبط، شفت حاجة مش منطقي تكون هناك أبداً.
حاجة طارق حلف مية يمين إنها معاه.
شنطة هدومه السودا الصغيرة الكاري-أون (Carry-on).
نفس الشنطة اللي كانت واقفة جمبنا وهو بيبوسني ويودعني.
نفس الشنطة اللي كان بيجرها وهو رايح للبوابة.
نفس الشنطة اللي شفته بعيني وهو بيعديها من التفتيش والأمن.
بس أهي.. موجودة هناك.
في الجنينة ورا بيتنا.
جمب الرجالة اللي بيكسروا شقتنا.
النفس اتقطع مني.
لأن لو شنطة طارق في البيت.. يبقى هو واخد معاه إيه على الطيارة؟
ولو هو اصلاً مكنش ناوي ياخد الشنطة دي معاه أسوان…
يبقى هو كان مجهز ومغلف لنا إيه مكانها؟
بصيت ورايا لـ مروان.
وشه الصغير كان مخطوف ومصّفر.
همس وهو بيقول: “ماما.. أنا قلتلك مش هنفع نرجع البيت.”
وفي اللحظة دي، تليفوني اتهز.
رسالة وصلتني من طارق:
”هوصل كمان شوية. خدي مروان واطلعي على البيت واستنيني هناك. أوعي تروحي في أي حتة تانية.”
بس الطيارة أصلاً لسه مطلعتش من المطار!
ولما فتحت الأبلكيشن بتاع شركة الطيران عشان أتأكد.. اكتشفت إن بوردنج طارق اتعمله سكان فعلاً عند البوابة…
بس الكرسي بتاعه مكتوب عليه: خالي لم يصعد