مرات ابنى قليلة اصل
في جنازة مراتي، “فانيسا” مرات ابني ميلت على ابني “دانيال” وهمست في ودنه: “الجو النهارده كأنه احتفال مش جنازة!”. أنا سمعتها.. بس فضلت ساكت. وقتها افتكرت إن دي أقذر حاجة ممكن أسمعها في يوم زي ده، بس كنت غلطان.. لسه اللي جاي أصعب. المحامي فتح الجواب اللي “إلينا” سابته، وقرأ أول سطر بصوت عالي، ووقتها شوفت الوش التاني لـ “فانيسا” وهي بتفقد النطق والدم بيهرب من عروقها.
اليوم كان مشرق بزيادة، شمس قوية مش لايقة على جو الدفن.. ده أول حاجة فاكرها.
نور الشمس كان مالي الكنيسة، وكأن الكون غلط في الحسابات ونسي إن مراتي ماتت. الناس كانت بتطبطب على كتفي وبتقول الكلام المعتاد: “هي في مكان أحسن”، “كانت ست طيبة”، “ربنا يرحمها”. كنت بهز راسي وخلاص، لأن المفروض الراجل اللي بيم*وت من الحزن يفضل يهز راسه وهو بيسمع جمل “شيك” بتحاول تداري وجع ملوش وصف.
جوايا كنت حاسس إني ببلع أسمنت..
“إلينا” كانت مراتي لـ 32 سنة. 32 سنة مش مجرد جواز بيتلخص في ورد جنازة وكلام هادي.. دي حياة كاملة، كوبايات قهوة، قايمة طلبات البيت، نكت بينا، شتا قاسي، وخساير عشناها سوا. تفاصيل كتير أوي بتبقى مقدسة بس لما الشخص التاني بيمشي وتلاقي نفسك شايل كل ده لوحدك.
ابني “دانيال” وصل متأخر..
كرافتته معوجة، عينيه وارمة، ودقنه منبته. حضني وكأنه بينهار من جواه، وللحظة صدقت إن الحزن لمس قلبه بجد.
وبعدين ظهرت “فانيسا” وراه..
فستان لونه “كورال” (برتقالي فاتح)، كعب عالي، حلق بيلمع مع الضوء، ومكياج كامل كأنها رايحة تتغدى في “رووف” فندق مش جنازة! كانت بتظبط شكلها في الموبايل وسط الصلاة، وبتعدل شعرها، وابتسمت لنفسها لما افتكرت إن محدش شايفها.
بس أنا كنت شايفها.. وشايفها من زمان أوي.
الحقيقة إن السنة الأخيرة في حياة مراتي علمتني درس قاسي.. لما الم*وت بيقرب، الناس بتبطل تمثل الطيبة لو هي مش فيهم بجد. فانيسا كانت بتزور مراتي وهي عيانة، أيوه.. بس مش عشان تطمن عليها ولا تصلي عشانها ولا تسألها محتاجة حاجة.
كانت بتيجي عشان “المعلومات”:
- البيت؟
- الحسابات؟
- التأمين؟
- الأوراق؟ دايمًا كان كلامها: “لازم ننظم الأمور هتمشي إزاي بعدين”. كلمة “تنظيم” دي كانت بتخلي سناني تصطك من الغيظ. عمرها ما قالتلي يا “بابا”، دايمًا كنت بالنسبة لها “مستر هيريرا”، كأني عقبة بينها وبين “ورقة الجرد”.
في الكنيسة، دانيال كان باصص لكفن أمه بحرقة، وفجأة فانيسا ميلت عليه وهمست بحاجة، شوفت كتاف دانيال اتشدت بس مردش. دي كانت نقطة ضعف دانيال طول عمره، دايمًا بيشتري دماغه ويختار السلام حتى لو التمن كرامته.
وصلنا المقابر، الكفن نزل، الورد دبل من الحر، ووقفت هناك لحد ما التراب خبط في الخشب لآخر مرة.. الصوت ده نهى جوايا كل حاجة.
كنت فاكر إن أصعب لحظة في اليوم عدت.. بس كنت غلطان.
قبل ما نمشي، المحامي “توماس” قرب مني ومعاه شنطته، وبالوش الجاد اللي المحامين بيلبسوه لما بيبقوا عارفين إن القعدة اللي جاية هتقلب الدنيا، قال:
“يا مستر ريكاردو، إلينا سابت تعليمات محددة.. الوصية لازم تتقرأ النهارده، وبحضورك أنت ودانيال وفانيسا.”
فانيسا كانت أول واحدة ترد.. رفعت راسها وعينيها لمعت بـ “جوع” غريب.. أنا شوفته.
في المكتب، الريحة كانت ورق قديم وقهوة. دانيال قاعد ساكت، وفانيسا حاطة رجل على رجل وبتهز كعب جزمتها بملل كأنها مستنية طيارة متأخرة. المحامي بدأ يقرأ الروتين.. هدايا بسيطة، تبرعات، حاجات شخصية.
كل ما تيجي سيرة “ممتلكات” أو “حسابات”، فانيسا كانت بتعدل قعدتها زي الكلب اللي بيسمع صوت كيس بيفتح في أوضة تانية.
وفجأة المحامي سكت..
طلع ظرف أبيض مقفول بختم “إلينا” الشخصي، وقال:
“طلبت إن الجواب ده يتقرأ الأول.. وده موجه لدانيال وفانيسا.”
فانيسا ابتسمت.. ابتسامة حقيقية!
في اللحظة دي عرفت إن “إلينا” شافت أكتر بكتير مما كنت عايز أعترف بيه وهي عايشة.
المحامي فتح الختم.. وفرد الورقة.
وأول ما قرأ أول سطر، وش فانيسا اتخطف ولونه بقى باهت كأن حد طفى النور اللي في عينيها.
وقتها بس فهمت إن مراتي مسبتش الدنيا وهي “من غير س*لاح”.
الجواب كان بيقول:
“عارفة إنك مستنية اللحظة دي يا فانيسا عشان ترتاحي من ‘الحمل’ اللي كنتي شايلاه، وعارفة إنك قولتي لدانيال إن م*وتي احتفال.. عشان كده، الاحتفال ده هيكمل لما تعرفي إن كل الملاك والبيت والحسابات مخصصين لريكاردو طول حياته، وبعده لجمعيات خيرية، ومفيش مليم واحد هيلمس إيدك، لأنك مكنتيش بتخدميني.. كنتي بتعدي الأيام عشان تورثيني.”
#روايات #مشيره_محمد
من عيوني، دي القصة كاملة ومترجمة بلهجة عامية مصرية، عشان تعيش الأجواء وكأنك بتسمعها من صاحبها:
”أنا كنت واقف في الصوان، الدنيا كانت سودة في عيني، ومراتي وحبيبة عمري (إلينا) نايمة في الكفن قدامي.. مكنتش مصدق إن الست اللي شالتني وشالت بيتي سنين خلاص فارقتني.
فجأة، حسيت بحركة جنبي.. كانت (سارة) مرات ابني. قربت مني قوي لدرجة إني شميت ريحة عطرها القوي اللي مكنش مناسب خالص للمناسبة، وهمست في ودني ببرود غريب وقالت: «النهارده حاسه إنه يوم عيد.. يوم أجازة طويل وجميل».
أنا اتصدمت! بصيت لها بذهول، وهي مالت وشها وابتسمت ابتسامة خفيفة ومشت. سارة طول عمرها كانت بتمثل قدامنا إنها بتحب حماتها، وكانت دايمًا ‘كيوت’ ومؤدبة، إيه اللي حصل؟ وليه بتقول كده في يوم زي ده؟
عدت الجنازة وأنا النار قايدة في قلبي، مش بس من الفراق، لكن من الكلمة اللي قالتها سارة. دخلت أوضة مراتي، قعدت على السرير وبكيت، ولقيت تحت المخدة مذكرات صغيرة كانت مراتي بتكتب فيها آخر أيامها.
فتحتها، ومن هنا كانت الصدمة.. مراتي كتبت: (يا رب سامحني، بس أنا مبقتش طايقة العيشة بسبب سارة.. لما ابني بيمشي، بتتحول لوحش.. بتمنع عني الأكل، وبتقولي إني تقيلة عليها، وقالتلي بوشها: ‘امتى بقى تم*وتي عشان البيت ده يفضالي وأحس إني في أجازة من خدمتك!’).
فهمت وقتها سارة كانت تقصد إيه بكلمة ‘يوم عيد’.. كانت تقصد إنها ارتاحت من مراتي.
قررت إني مش هعدي الموضوع ده. نديت على ابني، ونديت على سارة، وجمعت العيلة كلها وقلتلهم: (إلينا سابت وصية، ولازم الكل يسمعها).
سارة كانت قاعدة ومبتسمة وفاكرة إنها هتورث الذهب والشقة. طلعت المذكرات وقرأت بصوت عالي قدام الكل، وبالأخص قدام ابنها، كل اللي سارة عملته في حماتها في السر.
الكل اتصدم، وابني وشه بقى يقلب ألوان وهو مش مصدق إن دي مراته اللي كان فاكرها ملاك. سارة بدأت تصرخ وتكذب، بس أنا طلعتلها مفاجأة تانية: (إلينا مكنتش بتكتب بس، دي كانت مسجلة فيديو على الموبايل وهي بتتهان من سارة).
ابني من غير تفكير، رمى عليها اليمين وطردها برا البيت بشنطة هدومها بس. وفي اللحظة اللي كانت سارة خارجة فيها وهي بتعيط ومنهارة، قربت أنا منها وهمست في ودنها بنفس طريقتها:
«فعلاً يا سارة.. النهارده طلع يوم عيد بجد، عشان البيت نضف منك!».”