الماظه فى الظل
ألماظة في الظل
أمي عاشت حياتها كلها بتزرع فيا فكرة واحدة بس، لدرجة إني حفظتها أكتر من اسمي: “ارجعي ورا يا إيمان.. سيبي أختك هي اللي تظهر.. هي اللي تنور.”
أمي مكنتش وحشة، بس كانت “ست عملية” بزيادة.. شايفة إن “هنا” أختي هي الاستثمار الرابح. هنا البنت اللي عنيها ملونة، وبشرتها فاتحة، وضحكتها بترن في المكان. أما أنا؟ أنا كنت في نظرها مجرد “وصيفة” أو خيال ظل.. البنت اللي مهمتها تظبط فستان أختها وتناولهولها، وتختفي هي في أقرب ركن.
عشنا سنين بنلف في دوامة “المنظرة”. حفلات خيرية، عزومات غدا في النوادي الشيك، أفراح ناس واصلة.. وفي كل مرة، كان السيناريو واحد. أمي تلبس “هنا” أفخم حاجة وتلمعها، وتلبسني أنا ألوان باهتة، وتقولي بلهجة مفيهاش نقاش: “البساطة بتليق عليكي يا إيمان.. خليكي هادية عشان هنا تعرف تتحرك براحتها.”
ليلة “المنشاوية”
الحكاية بدأت بجد في ليلة الحفلة الكبيرة ببيت “المنشاوي” في جاردن سيتي. النجف الكريستال كان منور الدنيا، والخدم بيلفوا بصواني الفضة، والناس واصلة لدرجة إنك تحس إن الهوا نفسه ريحته “فلوس”.
أمي كانت مختارة لي فستان رمادي لؤلؤي، مقفول لحد الرقبة وبأكمام طويلة، وقالتلي: “ده شيك ووقور ومحدش هيعلق عليه.” وطبعاً المعنى الحقيقي كان: “الفستان ده هيخليكي حتة من الحيطة ومحدش هياخد باله إنك موجودة.”
أما “هنا”، فكانت لابسة فستان ذهبي بيلمع، وواقفة في نص الصالة زي الملكة، والضحكة مش مفارقة وشها، والشباب كلهم حواليها بيحاولوا يلفتوا نظرها. وأنا؟ كالعادة، سحبت نفسي بهدوء ووقفت ورا فازة ورد ضخمة في ركن بعيد، بتفرج على المسرحية من بعيد وبقول لنفسي: “هانت.. ساعتين ونروح.”
الصدمة
فجأة، القاعة كلها سكتت. الهمس وقف، والعيون كلها راحت ناحية الباب الكبير. ياسين بيه المنشاوي وصل.
ياسين ده مش مجرد راجل غني، ده “هيبة” ماشية على الأرض. شاب، ناجح، ملامحه مصرية أصيلة وحادة، وعنيه فيها ذكاء يخوف. هو ده العريس اللي أمي كانت بتخطط له بقالها شهور عشان “هنا”.
أمي شافت ياسين داخل، راحت قارصة دراعي وقالتلي بحدة: “أثبتي مكانك، متتحركيش.. مش عايزة أي حركة تشتت انتباهه عن أختك. النهاردة ليلة العمر لهنا.”
ياسين بدأ يمشي ببطء، والناس بتوسعله بهيبة. “هنا” وقفت في طريقه بالظبط، وعدلت وقفتها، ورسمت أحلى ابتسامة “هوليودية” عندها، ومستنية إنه يقف يسلم عليها. أمي كانت هتموت من الفرحة وهي شايفة ياسين بيقرب فعلاً من الاتجاه اللي هما واقفين فيه.
بس اللي حصل وقف قلب الكل!
ياسين مكملش طريقه لهنا. ولا بص للوزراء ورجال الأعمال اللي بيمدوا إيديهم يسلموا عليه. هو كمل مشي بخطوات تقيلة وواثقة، وعينه كانت متبتة على “نقطة” تانية خالص.
مشى لحد ما عدى “هنا” كأنها هوا.. وعدى أمي اللي كانت هتقع من طولها.. ووقف قدامي أنا!
أنا كنت في الركن، ورا الشجرة، ماسكة شنطتي بإيدي الاتنين وبنهج من الخضة. هو وقف قدامي بالظبط، وابتسم ابتسامة حقيقية، مش من بتاعة الحفلات.
بص في عيني بتركيز غريب، ومد إيده وقال بصوت رجولي واثق سمّع القاعة كلها:
“أخيراً.. أنا بقالي ساعة بحاول أشوف وشك بوضوح ورا الورد ده. أنتي بتستخبي ليه؟”
أنا كنت هفقد الوعي، بصيت يمين وشمال وقولت بلجلجة: “حضرتك.. أكيد تقصد أختي هنا.. هي واقفة وراك.”
ياسين ضحك ضحكة خفيفة وقرب مني أكتر وقال: “لا يا آنسة إيمان.. أنا عارف أنا بكلم مين كويس. أنا كنت متابعك من أول ما دخلتي، وعارف إن الألماظ الحر مبيحبش الزيطة.. بس مكانه الطبيعي إنه ينور تحت النور.”
وفي لحظة، مسك إيدي وسحبني من الركن الضلمة، ومشى بيا لحد نص القاعة تحت النجف الكبير، قدام ذهول أمي اللي وشها بقى أبيض زي الورقة، وصدمة “هنا” اللي كانت هتموت من الكسوف.
الليلة دي، أمي عرفت إن “خطة الاختفاء” بتاعتها فشلت، وأنا عرفت إن مهما حاولوا يداروكي، اللي عايز يشوفك بجد.. هيعرف يوصلك حتى لو ورا شجرة!
تمت. #عشق_الروح