مـ,ـا.ت لوحده فى المستشفى
سر جدى.. مشيره محمد
مـات لـوحـده فـي مسـتشفى حـكومي صـغير، فـي الوقـت الـلي أهـلي كانـوا قاعدين في البيت وبيقولوا عليه “راجل طبعه صعبة ومبطلش نكد”. أنا الوحيدة اللي حضرت جـ,ـنازته.. مكنش فيه أوسمة، ولا خطب، ولا لِمّة عيلة حوالين الصندوق. كنت أنا، وأبونا “إسحق” اللي كان باين عليه التعـ,ـب، والست “ماري” جارته اللي لقته واقع في مطبخه.
كنت فاكرة إن الخاتم الفضة القديم اللي أخدته من درج كومودينوه هو آخر حاجة باقية لي منه. بس بعد تلات أسابيع، وفي حفلة تكريم عسكرية، شاف اللواء الخاتم في إيدي ووشه جاب ألوان. مسك معصم إيدي براحة كأنه خايف الخاتم يتكسر وسألني: “جبتي ده منين؟”.
قلت له: “بتاع جدي”.
ساعتها اللواء بص للأعلام، بلع ريقه بصـ,ـعوبة وقال: “لازم نتكلم.. دلوقتي حالاًا”.
أنا اسمي مارينا حكيم، في القوات الخاصة، عندي تمانية وعشرين سنة. طول عمري كنت فاكرة إن جدي مجرد راجل عجوز هادي ومحدش في عيلتي كان بيطيقه. كان عايش في بيت قديم في أطراف “شبرا”، سلالمه مكسرة وشباكه بيزيق مع الهوا. مكنش عنده منظرة.. جزمة قديمة، ومج شاي مكسور من عند الإيد، ومفيش صور مع ناس مهمة، ولا حكايات حـ رب في العزومات. لو سألته عن زمان، يبتسم ويقول: “زمن فات يا حبيبتي”.
أهلي استغلوا سكوته ده عشان يقنعوا نفسهم إنه ملوش قيمة. أمي كانت بتقول عليه “دماغه ناشفة”، وأبويا كان بيقول “الكلام معاه يقطع الرزق”، وأخويا كان بيوصفه بإنه “مريب” عشان جدي كان ممكن يقعد طول العشا ومينطقش بكلمة. ومحدش كان بيعترض.. غيري. أنا كنت بحبه.. كان بيفتكر عيد ميلادي، ويبعت لي جوابات لما كنت في مركز التدريب: “فخور بيكي. خدي بالك من نفسك. متخليش الناس اللي صوتها عالي تنسيكي إنتي مين”.
لما تعب، كنت أنا في الخدمة بعيد عنه. الست ماري جارته كلمتني وصوتها بيرعش: “مارينا يا بنتي، جدك وقع ونقلوه المستشفى، ومعرفتش أكلم مين غيرك”.
كلمة “معرفتش أكلم مين غيرك” دي لخصت لي كل حاجة. كلمت أمي، ردت بعد رابع رنة. قلت لها “جدي في المستشفى”، اتنهدت.. متأثرتش، اتنهدت بس! وقالت: “بقالنا سنين بنعرض عليه مساعدة وهو بيرفض”.
سألتها: “هتروحوا؟”.
قالت: “نشوف، أبوكي وراه شغل”.
أبويا وراه شغل، وجدي بيموت. أخدت إجازة طارئة ورحت له. في المستشفى، كان في أوضة صغيرة في آخر الطرقة. لا ورد، ولا كروت، ولا عيلة. مجرد أجهزة وصوت الممرضات. لما فتح عينه وشافني، ابتسم وقال: “ظاهر إنك الوحيدة اللي منسيتنيش”. مسكت إيده وقلت له: “ماما وبابا هيجوا”. هز راسه بالراحة.. مكنش زعلان، كان عارف الحقيقة: “مش هيجوا”.