كبرياء على كرسي الباشا.. مشيره محمد
عاصم مشي خطوتين ناحية الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على شوارع القاهرة المنورة بنور خافت في نص الليل. الكورنيش من بعيد كان باين زي حبل نور ممدود، والعربيات ماشية زي النمل. فكر في نفسه، وفي البرج ده اللي هو بيملك نص أسهمه. فكر في المشرف اللي بيلوي دراع الغلابة عشان يظهر قدام الإدارة إنه “مسيطر”.
لف وشه ليها وقال: “المشرف بتاعك اسمه إيه يا رضوى؟”
”أستاذ مدحت.. مدحت عبد القوي، المسؤول عن عمال النظافة في الوردية المسائية.”
عاصم هز راسه ببطء، وراح قعد على الكرسي الجلد الفخم اللي كان سبب الأزمة. الكرسي لف بيه بهدوء، وحس لأول مرة إن الجلد بتاعه ساقع، ساقع وزيادة عن اللزوم. بص لرضوى اللي واقفة زي المتهمة في قفص المحكمة.
”اقعدي يا رضوى.”
رضوى اتسمرت مكانها، وبصت للكرسي التاني اللي قدام المكتب، كرسي الضيوف اللي مصنوع من الخشب الزان والجلد الطبيعي برضه. “أقعد فين يا فندم؟ لا مؤاخذة أنا هدومي مش نظيفة..”
”قلتلك اقعدي.” نبرة عاصم كانت قاطعة، مفيش فيها مجال للمناهدة.
قعدت على طرف الكرسي، مكنتش قادرة تفرد ضهرها، كأنها خايفة تسيب جسمها يرتخي فمتعرفش تقوم تاني. عاصم فتح درج مكتبه، الدرج اللي فيه شيكات بملايين، وطلع منه نوتة صغيرة وقلم حبر غالي. سألها: “انتي معاكي شهادة يا رضوى؟ ولا دخلتي مدارس؟”
رضوى اتنهدت، وابتسامة مكسورة ظهرت على وشها: “معايا دبلوم تجارة يا بيه. وكنت شاطرة في الحسابات والله.. بس الأيام والظروف. جوزي الله يرحمه سابلي عيلين، ومفيش معاش يصرف علينا. نزلت اشتغل أي حاجة عشان ممدش إيدي لحد. الشغل مش عيب، بس الإهانة هي اللي بتوجع.”
عاصم فضل يكتب في النوتة وهو ساكت. السكوت في المكتب كان تقيل، ومكنش بيقطعه غير صوت التكييف المركزي اللي شغال بانتظام.
”بقالك قد إيه في الشركة هنا؟”
”ست شهور يا فندم. ببدأ من وردية الصبح ساعات، وساعات بياخدوني وردية بليل لما حد يغيب، زي النهاردة كده. بس عمري ما قصرت، اسأل الستات بتوع البوفيه والمهندسين في الدور الـ 35، أنا بنظف مكاتبهم ومبخليش ففتفوتة تراب.”
عاصم قفل النوتة وحط القلم فوقيها. بص لرضوى بكل تركيز، وكأنه بيعيد حسابات معادلة رياضية بقاله سنين بيحلها غلط.
”انتي عارفة الكرسي اللي كنتي نايمة عليه ده بكام؟” عاصم سأل فجأة.
