كبرياء على كرسي الباشا.. مشيره محمد

“النهارده لبسوني شغل ثلاث أدوار عشان الوردية الليلية منزلتش. بدأت من الساعة ستة الصبح، ورجلي مبقتش حاسة بيها. مكتبك خلص وبقى زي الفل.. وأنا خلاص، كنت بفصل.”

​عاصم بص حواليه.

​المكتب كان بيبرق، مفيش ورقة مش في مكانها، ولا البصمة على الزجاج. المكتب ينفع يتصور في مجلة.

​الـ “لخبطة” الوحيدة في المكان كانت الجسد الهدّان ده، اللي طاقته خلصت ومبقاش فيه حيل يكمل.

​”وليه مطلبتيش بريك؟”

​ضحكت ضحكة مريرة سريعة خطفت وشها زي الوجع:

“عشان المشرف قاللي: تخلصي شغلك، يا إما متجيش يوم الإثنين.”

​عاصم سكت ومتحركش.

​ده مكنش نظام أو انضباط في الشغل…

​ده كان تهديد.

​وعاصم بيفهم في التهديدات كويس أوي.

​ياما استخدمها قبل كده في العقود والمواعيد الصعبة، وبقوة هادية من غير ما يعلي صوته. بس دي كانت أول مرة يشوف فيها الوجع الحقيقي والضغط ده لما ينزل على قفا حد غلبان ملوش ضهر يصد عنه.

​سألها: “بيدوكي كام؟”

​قالتله: “مية وتلاتين جنيه في اليوم… ده لما بيرضوا يدفعوهم أصلاً.”

​زور عاصم اتقفل، وباع ريقه بصعوبة.

​افتكر القلم اللي في درج مكتبه اللي تمنه يعدي آلاف، وافتكر ثلاجة شقته الفاضية اللي مليانة أكل مبيلمسهوش. وافتكر ازاي كان دايماً فاكر إن الدنيا لازم تقف وتتظبط عشانه، حتى لو الناس اتهرسوا عشان يشيلوها.

​قالها: “اقفي.”

​رضوى اتحركت بسرعة، وهي مستنية الإهانة، وجاهزة إن الأمن ييجي يطردها بره المبنى زي الزبالة…

روايــات_مشـيره_مـحمد

عاصم بيه الشناوي فضل واقف مكانه، باصص للست اللي واقفة قدامه وهدومها متبهدلة من الشقى. رضوى كانت لسه بتعدل الجاكيت الأزرق بتاعها وإيديها بترعش رغماً عنها، مستنية الكلمة اللي هتقطع عيشها. في ميكانيكية غريبة في حركتها، ميكانيكية الخوف اللي متعود على الضربات، الخوف اللي بيخلي البني آدم يلملم حاجته بسرعة قبل ما يترمي بره.

​عاصم مكنش متعود يشوف الوجع ده من قريب. هو بيشوف أرقام، تقارير، نسب أرباح، وخساير. لكن بني آدم بيبص في عينيه وهو ميت من الرعب على مية وتلاتين جنيه؟ دي كانت جديدة عليه.

​”انتي قلتي اسمك رضوى إيه؟” عاصم سأل بصوت هادي، هادي لدرجة خضت رضوى أكتر من الزعيق.

​”رضوى عبد العال يا فندم..” صوتها طلع مكتوم، وعينيها نزلت للأرض لأول مرة. كبرياءها اللي ظهر من لحظات بدأ يتآكل قدام فكرة إن عيالها ممكن مياكلوش الأسبوع الجاي. “أنا والله مش قصدي أقعد على الكرسي تطفل.. أنا بس ضهري قفش عليا ومبقتش حاسة بركبي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *