أمي كانت دايماً تقول لي إن الفن مبيأكلش عيش، وبعدين أخدتني معاها لافتتاح أكبر وأرقى جاليري في الزمالك كـ "تكملة عدد" مكسوفة بيها، وهي مش دارية إن صحابها من مجتمع الهوانم ومصر الجديدة هتسقط من طولهم أول ما اسمي يظهر على المبنى. الليلة اللي أمها أخدتها فيها عشان تديها درس وتكسر عينها، كان كل ملياردير في القاعة مستني اسمها. شاهندا زهران كانت واقفة تحت السقف الزجاجي المبهر لأكبر وأجدد جاليري فن تشكيلي في الزمالك، وأمها مادّة راسها جنبها عشان الكاميرات لقطاهم وهم بيضحكوا، بس طبعاً مكنتش لاقطة الكلام اللي بيتقال تحت الضرس. "بلاش فضايح والنبي الليلة دي، مش عايزة كلام عن فنك وخيبتك"، إلهام همستلها بحدة، "اتفرجي بس وشوفي الناس الناجحة بجد بيتصرفوا إزاي." فلاشات السجادة الحمراء كانت بتضرب في العين. والمذيعين بينادوا على أسامي المشاهير. والجرسونات شايلين كاسات العصاير والشامبانيا الفاخرة على صواني فضة وبيتلفّتوا بين الناس. فوقيهم، مبنى من تسع أدوار من الاستانلس والزجاج بينور كأنه قصر مبني مخصوص للناس اللي عمرها ما احتاجت تستأذن عشان تدخل في حتة. شاهندا كانت حاضنة شنطة اللوحات القماش السوداء في جنبها وساكتة خالص. والسكوت ده كان بيعصّب أمها أكتر من الجدال والمناهدة. إلهام رفعت دقنها وبصت لشلة صاحباتها الهوانم اللي واقفين جنب السلم الرخام. كانوا كلهم بيبصوا عليهم. ميرفت بعقد اللولي بتاعها. دينا بضحكتها المزيفة المتجمدة. واتنين من كبار المتبرعين لمجلس الفنون اللي بقالهم سنين بيوطوا صوتهم أول ما شاهندا تدخل أي حفلة خيرية وعمالة تهبب وتلطخ إيديها بالألوان. "أهي وصلت أهيه"، ميرفت قالتها وهي بتمشي عينيها بنظرة استهزاء على جاكيت شاهندا القديم والجزمة الفلات المتبهدلة. "الفنانة!" مقلتهاش بلؤم واضح عشان متبانش شريرة، بس قالتها بشياكة سمّ قطّع النفَس. في اللحظة دي وصلت كارولين (أخت شاهندا) من وراهم وهي لابسة فستان ساتان بلون الشامبانيا، وجوزها ماشي وراها شايل كاسين وبيبتسم بحذر. كارولين باست الهوا جنب خد شاهندا وقالتلها بصوت واطي: " قوليلي إنك هتغيري القرف ده؟ ماما هيموت خراب بيتها طول اليوم ومتوترة." شاهندا سألتها ببرود: "متوترة عشان الافتتاح؟" "عشانك أنتِ"، كارولين ردت وهي بتوزع ضحكات للكاميرات. "ده مش سور قهوة في وسط البلد هتعلقي عليه لوحاتك يا حبيبتي. الناس اللي هنا دول هما اللي بيمشوا السوق." واحد من المصورين رفع كاميرته، إلهام في ثانية راحت لافة دراعها حوالين دراع شاهندا كأنها بتعدي طفلة صغيرة الشارع. إلهام قالت للشلة بفخر مصطنع: "أنا جبتها معايا النهارده عشان تاخد فكرة وتستلهم.. قولت تشوف المؤسسات الثقافية الحقيقية بتشتغل إزاي، يمكن ينوبنا ثواب." الهوانم طلعوا أصوات إعجاب هادية.. النفسنة اللي بتطلع في الحفلات الخيرية لما بيجاملوا أم بنتها فاشلة. شاهندا بصت من ورا الأبواب الزجاجية على القاعة الرئيسية. رجال الأمن ببدلهم السوداء المفصلة واقفين بيأمنوا المداخل. وفي نص القاعة، كان فيه عمل فني ضخم جداً متغطي بقماش ستان تحت إضاءة هادية، زواياه كانت باينة حادة ومنفوخة تحت القماش. العمل الفني ده بتاعها هي. بس إيديها فضلت ثابتة ومبينتش أي رد فعل. دينا قالت بخبث: "يمكن بعد الليلة دي تفهم يعني إيه حجم ومقاسات لوحات بجد." كارولين زودت عليها: "أو التزام وتناسق"، وبصت لشاهندا نظرة أسف مصطنعة عشان الناس اللي واقفة مش عشانها هي. إلهام ضحكت بـ "إتيكيت" كأن الإهانة دي نكتة عائلية لطيفة: "شاهندا طول عمرها عندها شغف، بس للاسف متعلمتش إن الشغف من غير نظام ملوش لازمة." جرسون وقف جنبهم، شاهندا أخدت كاس مياه فوارة. إلهام لقطت اللقطة وقالتلها: "اشربي عصير أو شامبانيا، الليلة دي محتاجة احتفال حقيقي." شاهندا ردت: "ورايا شغل بعد شوية." كارولين كانت هتفطس على روحها من الضحك: "شغل إيه؟ هتلوني سبورة تانية لـ كافيه؟" الشلة كلها ابتسمت. حتى الناس اللي ميعرفوش تاريخ العيلة فهموا اللعبة: البنت الخايبة اللي أهلها جايبينها وسط الصالونات الفخمة عشان تعرف حجمها الطبيعي وتقعد ساكتة. شاهندا سابت السكوت يطول لحد ما إلهام صوابعها غرزت في دراعها وضغطت جامد. أمها قالت من تحت ضرسها: "متبقيش مقرفة.. أنا حاربت عشان أجيبك معايا كـ ضيفة." الحته دي كانت حقيقية، بس حقيقية زي مراية مكسورة بتعكس الصورة معوجة. إلهام كانت كلمت إدارة الجاليري تلات مرات تترجاهم يدخلوا بنتها معاها. كانت فاكرة إنها بتعمل فيها خير، وفاكرة إن الدعوة دي بتديلها سلطة عليها. شاهندا بصت ناحية الأسانسير الخاص. بواباته النحاس كانت لسه مقفولة. لسه مش دلوقتي. جوه قاعة الاستقبال، أكبر جامعي اللوحات وتجار الفن كانوا واقفين مبهورين بالأسامي المكتوبة بخط أسود صغير جنب لوحات تمنها يعدي تمن قصور وفيلات في التجمع. المتبرعين كانوا بيهمسوا عن "المالك المجهول".. الملياردير الخفي اللي بيشتري اللوحات والتحف في جنيف، باريس، لندن، ودبي من غير ما يعمل إنترفيو واحد مع الصحافة. صحاب إلهام كانوا بيتكلموا عن المالك ده كأنهم بيتكلموا عن ملك من ملوك أوروبا. ميرفت قالت: "سمعت إنه راجل أوروبي." دينا أكدت: "لأ، ده من العائلات الملكية القديمة أصحاب الملايين." إلهام دخلت في الكلام: "أياً كان مين.. هو فاهم كويس إن الفن ده بيزنس وتجارة ثقيلة." شاهندا لفت الكاس في إيدها لفة واحدة. أمها شافت الحركة دي واقنعت نفسها إن بنتها مكسوفة ومحرجة. إلهام قالت بصوت أعلى عشان تسمعها: "اسمعي بقى واتعلمي.. ده اللي كنت بحاول أقولهولك. الفن ممكن يكون جميل، بس الجمال من غير استراتيجية وتسويق بيبقى مجرد هواية تضيع وقت." كارولين دخلت في الحوار بصوتها الناعم المدرب: "ماما قصادها بس إنها تشوفك مستقرة ومأمنة مستقبلك." شاهندا ردت: "لأ." دي كانت أول كلمة تنطقها بنبرة حادة وناشفة. الشلة كلها سكتت. ضحكة إلهام فضلت مرسومة، بس عينيها برقت: "أفندم؟ بتقولي إيه؟" شاهندا حطت الكاس اللي ملمستوش على صينية جرسون كان معدي: "قصدها إنها كانت عايزاني أفضل صغيرة وتحت طوعها." الجو كله اتكهرب في ثانية. كارولين بقها اتفتح من الصدمة. جوزها بص في الأرض من الكسوف. وعقد اللولي بتاع ميرفت اتهز وهي بتبلع ريقها بصعوبة. إلهام طلعت ضحكة صفرا للناس اللي بتتفرج: "الفنانين دول بيموتوا في الدراما والمنظرة." وبعدين قربت من شاهندا جامد، لدرجة إن مفيش حد سمعها غير شاهندا وأول صف من الهوانم بتوع النميمة. وقالتلها بفحيح: "أنتِ عندك تلاتين سنة. عايشة في استوديو معفن أوضتين وصالة. ومتأخرة في إيجار بقالك شهور. أنا بحاول أنقذك من إنك تفرجي عليكي الناس في قاعة أنتِ أصلاً متفهميش فيها حاجة." هي دي.. نفس الجملة القديمة المقرفة، بس المرة دي متغلفة في فستان سواريه حرير. شاهندا بصت للجاليري كله حواليها: الرخام اللي بيلمع، الإضاءة الدهبية الفخمة، اللوحة الضخمة المتغطية في النص، ورجال الأمن اللي مستنيين إشارة واحدة منها. كل شبر في المكان كان بيعكس صورة أمها اللي بتخلط بين الشفقة والجدعنة. شاهندا سألتها ببرود: "خلصتي؟" إلهام بربشت بعينيها بصدمة. السؤال نزل عليها هادي وصادم.. هادي زيادة عن اللزوم ونضيف أوي. وقبل ما إلهام تلحق ترد، الأنوار في القاعة الرئيسية بدأت تطفي شوية بشوية. ومزيكا هادية اشتغلت في السماعات. الناس بدأت تتحرك ناحية الترابيزات، بعد ما سمعوا صوت "عاصم الشناوي"، أمين المعالج والمنسق العام للجاليري، وهو بيطلع على المسرح ويمسك المايك. وقال: "سيداتي وسادتي، شكراً لحضوركم الليلة.. الليلة اللي هتغير نظرة القاهرة دي للفن الحديث بالكامل." إلهام اتعدلت في وقفتها فوراً، ومبسوطة إنها واقفه في الصفوف الأولى. سحبت شاهندا من دراعها وقادتها ناحية "الترابيزة رقم واحد" كأنها سايقة مشكلة وهي اللي حلاها بنفسها. وهمستلها: "اقعدي واقعدي ساكتة.. والنبي." شاهندا مقعدتش. وفي نفس اللحظة في آخر القاعة، الأسانسير الخاص اتفتح حتة صغيرة، وواحد من الموظفين اللابسين أسود حط إيده على سماعة ودنه. عاصم الشناوي بص في الورق اللي في إيده، وبعدين رفع عينه فوق الورق. عدى بعينه من فوق تجار الفن.. وعدى من فوق المتبرعين والوزراء.. وبص دايركت.. في عين شاهندا! القاعة كلها لفت راسها مع نظرته وبصوا عليها. كل الكلام والهمس انقطع تماماً. إيد إلهام سابت دراع بنتها ووقعت في جنبها. ولأول مرة في الليلة دي كلها.. إلهام ضحكتها اختفت تماماً. روايــات_مشـيره_مـحمد الصمت اللي حل في القاعة مكنش صمت عادي، ده كان نوع الصمت اللي بيسبق العاصفة، لما الكل بيكتم نَفسه عشان يستوعب الصدمة. عاصم الشناوي، المنسق العام للجاليري، عدل المايك وابتسم ابتسامة فخر حقيقية وهو بيبص لشاهندا، ونبرة صوته اتغيرت تماماً من الرسمية للتبجيل والترحيب الحار. "سيداتي وسادتي،" عاصم قال في المايك وصوته هز القاعة، "يسعدني ويشرفني إني أعلن لكم إن صاحبة هذا الصرح، والمالكة الخفية لكل المقتنيات الفنية اللي أثارت ضجة من جنيف لدبي، والفنانة العبقرية اللي عملها الفني الكبير مستنينا النهارده تحت الغطاء ده.. هي بنت مصر، الأستاذة شاهندا زهران." في اللحظة دي، الأنوار الكشافة كلها سابت المسرح ولفت في زاوية واسعة عشان تتركز بالكامل على شاهندا. الضوء الأبيض المبهر خلا جاكيتها القديم وجزمتها الفلات يلمعوا كأنهم لبس ملكي. إلهام كانت واقفة زي التماثيل الرخام اللي ملوية في زوايا القاعة. عينيها كانت بتتحرك بسرعة جنونية بين عاصم الشناوي وبنتها، وبقها مفتوح نص فتحة ومش قادرة تنطق بحرف. إيدها اللي كانت لسه من ثانية بتضغط على دراع شاهندا عشان تقعدها، نزلت في جنبها كأنها اتمحت من الوجود. كارولين اختفت ضحكتها الساتان في ثانية، وبصت لجوزها اللي كان وشه جاب مية لون وبدأ يرجع لورا خطوتين كأنه بيتبرأ من كل كلمة قالها من شوية. ميرفت ودينا وباقي شلة الهوانم جمدوا في مكانهم، وعقد اللولي بتاع ميرفت كان بيتهز مع ضربات قلبها السريعة وهي بتبص لشاهندا برعب حقيقي.. رعب الناس اللي اكتشفت إنها كانت بتهين ملكة وهي فاكراها جارية. عاصم الشناوي كمل في المايك: "يتفضل الأستاذة شاهندا لإزاحة الستار عن عملها الفني الجديد، والافتتاح الرسمي للجاليري." شاهندا متمشيتش بسرعة، ومظهرش على وشها أي علامة من علامات التشفي أو الانتصار الرخيص. فضلت بنفس الهدوء القاتل اللي جنن أمها طول الليل. سابت شنطة اللوحات السوداء اللي في إيدها على الكرسي الفخم بتاع الترابيزة رقم واحد، وبدأت تتحرك ناحية المنصة. وهي بتعدي من جنب أمها، إلهام حاولت تتكلم، صوتها طلع مخنوق ومتحشرج: "شاهندا.. أنتِ.. إزاي؟" شاهندا مبصتلهاش حتى، كملت طريقها بثقة وثبات. الحضور كلهم فتحوا لها ممر واسع، المليارديرات ورجال الأعمال اللي كارولين وإلهام كانوا بيموتوا عشان ياخدوا منهم نظرة رضا، كانوا دلوقتي بيوطوا راسهم احترماً وهي بتعدي من جنبهم. الجرسونات اللي شايلين الصواني وقفوا انتباه. أول ما طلعت على المنصة، عاصم الشناوي خطى لورا وادالها المايك وهو بيحنيلها راسه: "مبروك يا فندم. المكان كله مستني الإشارة." شاهندا مسكت المايك، وبصت للقاعة الكبيرة. شافت وشوش الهوانم من فوق. شافت ميرفت وهي بتحاول تستخبى ورا ضهر جوزها، ودينا وهي بتعدل ضحكتها المتجمدة وتحولها لابتسامة تملق مقرفة، وكارولين اللي كانت بتبصلها بعيون مليانة غيرة وخوف من اللي جاي. أما إلهام، فكانت واقفة في مكانها مش قادرة تتحرك، وشها كان أبيض زي القماش، وعينيها مليانة نظرة انكسار رهيبة.. نظرة الست اللي طالما استخدمت سلطة الفلوس والمظاهر عشان تذل بنتها، وتكتشف فجأة إن بنتها هي اللي تملك المكان باللي فيه. شاهندا قربت من المايك وقالت بصوت واثق ودافي وصل لكل ركن في المبنى التسع أدوار: "أهلاً بيكم في جاليري 'المرآة'. المكان ده متبنيش في يوم وليلة، ومتبنيش عشان يكون مجرد سبوبة أو بيزنس مبني على المظاهر والخداع. المكان ده اتبنى عشان يكون حقيقة.. الحقيقة اللي دايماً بنحاول نداريها ورا فساتين السواريه والمجاملات الكدابة." بصت دايركت في عين إلهام وكملت: "فيه ناس كتير فاكرة إن الفن مجرد هواية، وإن الجمال من غير استراتيجية هو فشل. وناس فاكرة إن الاستقرار بيتقاس بكام في جيبك أو إيجار استوديو كام أوضة وصالة.. بس الحقيقة، إن الفن هو الحاجة الوحيدة اللي بتعيش لما الأقنعة دي كلها تقع. والشغف مش محتاج هيكل من حد عشان يوجهه.. الشغف محتاج حرية." شاهندا شاورت بإيدها لرجال الأمن اللي واقفين جنب العمل الفني المتغطي. "اتفضلوا." في ثانية واحدة، شد رجال الأمن الحبال الحرير، ووقع الغطاء الستان الضخم على الأرض. القاعة كلها أصدرت صوت شهقة واحدة مسموعة. العمل الفني مكنش مجرد لوحة.. كان تجهيز فراغي ضخم (Installation) مصنوع من المرايا المكسورة والحديد المتشابك، وجواهم تمثال من الطين الأسود الخشن لامرأة بتحاول تخرج من قالب من الذهب الصافي المصبوب عليها بعنف. المرايا كانت محطوطة بزوايا هندسية عبقرية، بحيث إن أي حد يقف قدام العمل الفني، يشوف وشه متقطع ومكسور جوه الذهب، ويشوف عيوبه ومظاهره المزيفة واضحة وضوح الشمس. الإضاءة الذهبية اللي فوقيها كانت بتعكس النور على الوشوش، فخلت كل واحد في القاعة يحس إن العمل الفني ده بيتكلم عنه هو.. عن كدبه وتزييفه. التصفيق بدأ حذر، وبعدين انفجر زي الرعد في القاعة. رجال أعمال أوروبيين ومستثمرين عرب وقفوا يسقفوا بحرارة وإعجاب شديد. عاصم الشناوي كان بيبص لشاهندا وكأنه بيبص لمعجزة. شاهندا نزلت من على المنصة، وفي ثانية حاصرها الصحفيين والمصورين، وفلاشات الكاميرات اللي كانت إلهام بتشحتها من شوية بقت بتضرب في وش شاهندا لدرجة تعمي العين. المذيعين بقوا يتخانقوا عشان ياخدوا منها كلمة واحدة. "أستاذة شاهندا! كلمة لبرنامجنا!" "أستاذة شاهندا! هل صحيح إنك اشتريتي قصر جاردن سيتي عشان يكون المقر الإداري لمؤسستك؟" "شاهندا هانم! اللوحة دي معروضة للبيع بكام؟ سمعنا إن فيه عرض بـ 5 مليون دولار من متحف لوفر أبوظبي؟" شاهندا كانت بترد بابتسامة هادية وكلمات مقتضبة، وبتتحرك وسطهم بمرونة لحد ما وصلت تاني عند الترابيزة رقم واحد. إلهام وكارولين كانوا لسه واقفين هناك، بس مكنش معاهم حد من الشلة. ميرفت ودينا وباقي الهوانم خلعوا وانسحبوا في وسط الزحمة من الكسوف والخوف من مواجهة شاهندا بعد الكلام اللي قالوه. كارولين قربت من شاهندا بوش مرعوب وابتسامة مهزوزة: "شاهندا.. حبيبتي.. مبروك.. أنا.. أنا والله مكنتش أقصد.. أنا كنت بس خايفة عليكي وبهزر معاكي.. أنتِ عارفة إني بحبك وصح؟" شاهندا بصت لكارولين نظرة طويلة خلت كارولين تبلع باقي كلامها وتسكت خالص. شاهندا قالتلها بنبرة هادية بس باردة زي التلج: "عارفة يا كارولين. روحي لجوزك عشان باين عليه عايز يمشي." جوز كارولين شدها من إيدها بسرعة واعتذر لشاهندا بنظرة رعب، وأخدها واختفوا وسط المعازيم. فضل في المواجهة شاهندا وإلهام. الأم وبنتها. إلهام حاولت تجمع شتات نفسها، حاولت ترجع لشخصية الأم القوية المتحكمة، بس كبريائها كان متبهدل على الأرض. شفايفها كانت تترعش وهي بتبص لشاهندا اللي واقفة قدامها بكاس المياه الفوارة اللي ملمستوش من أول السهرة. "ليه ممثلتليش يا شاهندا؟" إلهام قالتها بصوت واطي ومكسور، والدموع بدأت تلمع في عينيها لأول مرة. "ليه سبتيني أبقى زي المغفلة قدام الناس؟ ليه خليتيني أصغر نفسي وأصغرك وأنا مش دارية؟" شاهندا حطت كاس المية على الترابيزة، وبصت لأمها في عينها مباشرة: "أنا مخليتكيش تصغري نفسك يا ماما. أنتِ اللي اخترتي تصغري نفسك وتصغريني من سنين. أنا مكدبتش عليكي.. أنا قولتلك ميت مرة إني بشتغل، وقولتلك إني بعمل معرض، بس أنتِ عمرك ما سمعتيني. أنتِ كنتِ دايماً بتسمعي صوت نفسك بس.. صوت المظاهر والفلوس وعقد اللولي والناس هتقول علينا إيه." إلهام نزلت راسها في الأرض، ودمعة نزلت بوظت المكياج الغالي اللي على وشها: "أنا كنت فاكرة إني بحميكي.. الفن مبيأكلش عيش يا شاهندا.. أنا شوفت فنانين كتير بيموتوا من الجوع." شاهندا قربت خطوة من أمها، ولأول مرة نبرة صوتها حنت شوية، بس فضلت حاسمة: "الفن بيأكل عيش يا أمي لما يكون حقيقي ولما صاحبه يحترمه وميرخصوش. أنتِ مكنتيش بتحميني.. أنتِ كنتِ بتحمي برستيجك قدام صحابك. كنتِ مكسوفة من بنتك اللي بتمشي وضوافرها فيها ألوان بوهية، وجايباني النهارده عشان تكسري عيني وتوريني 'الناس الناجحة' بيتصرفوا إزاي.. أهو الناس الناجحة اللي أنتِ بتتمني رضاهم، واقفين ورايا مستنيين إمضة مني." إلهام رفعت عينيها وبصت لبنتها بذهول: "والجاليري؟ والملايين دي كلها؟" شاهندا ابتسمت نص ابتسامة: "كل ده من تعبي وشغلي السنين اللي فاتت في صمت ومن غير منظرة. اللوحات اللي كنتِ بتقولي عليها شخابيط وبتتريقي عليها لما تشوفيها في الاستوديو، كانت بتتباع في معارض برة مصر بمئات الآلاف من الدولارات.. باسم مستعار، عشان كنت عايزة اليوم ده ييجي وأنتِ شايفة الحقيقة كاملة.. من غير قناع." في اللحظة دي، عاصم الشناوي قرب منهم بحذر وقال: "فندم، وزير الثقافة وبعض كبار رجال الأعمال مستنيين حضرتك في الصالون الخاص عشان يباركوا لك ويناقشوا صفقات الاستحواذ الجديدة." شاهندا هزت راسها لعاصم: "حاضر يا عاصم، دقيقة وجاية." شاهندا التفتت لأمها للمرة الأخيرة. أخدت شنطة اللوحات السوداء اللي كانت عايزاها تغيرها، وفتحتها. طلعت منها لوحة صغيرة مرسومة بألوان زيت دافية.. كانت لوحة لإلهام وهي صغيرة، قاعدة على شط البحر وبتضحك ضحكة حقيقية من قلبها، من غير مكياج ومن غير فستان سواريه ومن غير ميرفت ودينا. شاهندا حطت اللوحة في إيد إلهام وقالتلها: "دي هديتي ليكي الليلة دي يا ماما. كنت رسماها ليكي مخصوص. عشان تفكرك بنفسك قبل ما المظاهر والزمالك ومصر الجديدة يغيروكي ويخلوكي تنسي يعني إيه حقيقة." إلهام مسكت اللوحة بإيدين بترتعش، وبصت للرسمة والدموع نازلة على وشها. اللوحة كانت بتعكس براءة حقيقية هي نفسها نسيتها من زمان. شاهندا طبعت بوسة خفيفة على خد أمها، وقالتلها بنبرة هادية: "تقدري تقعدي على الترابيزة رقم واحد وتستمتعي بالحفلة.. بصفتك والدة شاهندا زهران.. مش بصفتك الست اللي جيباني تكملة عدد." شاهندا لفت ضهرها ومشت بثقة خطوة بخطوة ناحية الصالون الخاص، والكاميرات كلها بتلاحقها، والأنوار كلها بتنور طريقها. إلهام فضلت واقفة لوحدها وسط القاعة الفخمة، حاضنة اللوحة الصغيرة اللي في إيدها، وبتبص على ضهر بنتها وهي بتبتعد.. ولأول مرة في حياتها، إلهام فهمت إن بنتها مكنتش محتاجة حماية ولا كانت محتاجة تتعلم إزاي الناس الناجحة بتتفوق.. بنتها هي اللي كانت بتعلم المكان كله يعني إيه نجاح. ولمت فستانها الحرير وقعدت على الكرسي في الترابيزة رقم واحد، ودموعها بتنزل، بس المرة دي.. مكنتش دموع صدمة، كانت دموع فخر حقيقي نابع من قلب أم اكتشفت إن بنتها "الخايبة" بقت أكبر من كل أحلامها. تمت.. مشيره محمد