اتهام….. مشيره محمد

 

​لما يكون عندك تلات عيال، ووصلاّت النور والمياه متكومين قدامك على ترابيزة المطبخ والمهلة خلاص بتخلص… الكبرياء ساعتها بيبقى رفاهية مش بتملكها.

​هو ده بالظبط السبب اللي خلاني أوافق أشتغل سواق خصوصي عند “فاطمة هانم”.

​كانت ست أرملة غنية جدًا، عديت السبعين من عمرها، من نوعية الستات اللي عايشين ورا أسوار وفيلات مقفولة وبتفطر وهي لابسة عقد اللولي بتاعها. كنت متوقع إنها تكون ست ناشفة وباردة، بس الصراحة طلعت مش كده خالص.

​في الأول، كان كل دوري أوصلها مشاويرها: عيادات الدكاترة، عزومات الجمعيات الخيرية، وزيارة المدافن كل يوم جمعة عشان تحط ورد بلدي أبيض على قبر جوزها الله يرحمه.

​بعد فترة، بدأت تفتح معايا كلام وتسألني:

​”عندك عيال قد إيه يا أستاذ مصطفى؟”

​”شبهك؟”

​”حاسين بتعبك وشقاك عشانهم؟”

​وساعات، بعد ما نرجع من المشوار، كانت تصر تقولي: “اشرب معايا فنجان قهوة”. كنت بقعد على طرف الكرسي، محرج وخايف أبين إني واخد راحتي زيادة عن اللزوم. كانت بتقعد تحكيلي عن جوزها المرحوم، وعن البيت الكبير الواسع الفاضي عليها، وعن عيالها الأربعة الكبار اللي مبيجوش يزورها إلا لو محتاجين إمضاء منها على ورق أو فلوس.

​صِعبت عليا… ويمكن الغلطة بدأت من هنا.

​الصدمة والمشهد الأخير

​يوم الثلاث اللي فات، رحت الفيلا عشان الشغل، ولقيت عيالها كلهم هناك. فاطمة هانم كانت واقفة في الصالة، وشها مخطوف وبتترعش.

​بصتلي وقالت بصوت هادي وناشف: “البروش الألماظ بتاعي مش لاقياه”. وبعدين بصت في عيني علطول وقالت: “أنا شاكة إن مصطفى هو اللي خده”.

​البيت كله سكت فجأة.

​ابنها ابتسم ابتسامة شماتة، وبنتها ربعت إيديها وبصتلي بقرف. أنا حسيت بنار قايدة في وشي من كتر الإحراج والظلم.

​”فاطمة هانم، أنا مستحيل أعمل كدة، أنا…”

​قطعت كلامي بزعيق: “خلاص! خد العربية وديها للميكانيكي بتاعي وسيبها هناك. ورق الصيانة في التابلوه، وهو عارف هيعمل إيه. وأول ما تسلمه المفتاح، اعتبر نفسك مبقتش شغال معايا”.

​كنت عايز أرمي المفاتيح في وشها وعلى أرضية الرخام بتاعتها وأمشي وأسيب لها الدنيا باللي فيها.

​بس افتكرت وصلاّت البيت وعيالي… كنت محتاج يوميتي وأجر الأسبوع ده عشان أمشي أموري.

​الورقة المستخبية

​أخدت العربية المرسيدس السودا وسقتها وأنا دماغي بتغلي، حاسس بقمة الإهانة والكسرة. وصلت للورشة، وفتحت التابلوه عشان أطلع ورق الصيانة وأخلّص المشوار ده.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *