امى رفضت
أمي رفضت أن تدخل بيتي منذ يوم تزوجت، في الأول ظننت أنها غاضبة مني.
كلما عزمتها تقول:
— معذرة يا ابنتي… لست مرتاحة في هذا البيت.
كنت أضحك وأقول:
— ماذا فعل لكِ البيت يا أمي؟
فتغير الموضوع.
حتى يوم ولدت ابنتي، جاءت لتزورني في المستشفى، لكن عندما رجعت إلى البيت رفضت أن تأتي معنا.
وظل الوضع هكذا سنوات.
أنا أذهب إليها.
أولادي يزورونها.
لكن هي لم تعبر باب شقتي أبداً.
قبل وفاتها بأيام، كنت جلست بجانبها، فسألتها للمرة الأخيرة:
— يا أمي، لماذا لم تدخلي بيتي أبداً؟
نظرت إليّ نظرة غريبة وقالت:
— لأن هناك أبواباً لو دخلناها مجدداً… أشياء كثيرة مدفونة تستيقظ.
ظننت أنها تتحدث من التعب.
وماتت بعدها بأسبوع.
بعد وفاتها، بدأت أرتب أوراقها.
وسط ملف قديم وجدت عقد شقة.
فتحت لأراه.
العنوان جعلني أقف في مكاني.
كان عنوان
شقتي.
نفس البناية.
نفس الطابق.
نفس رقم الشقة.
لكن العقد تاريخه قبل زواجي بـ 20 سنة.
والأغرب…
اسم المشتري كان اسم أمي.
بتوقيعها.
رجعت إلى البيت وأنا ممسكة بالعقد.
أول ما رآه زوجي، تغير وجهه.
سألته:
— هل تعرف شيئاً عن هذا؟
قال بسرعة:
— بالتأكيد تشابه عناوين.
وضعت العقد أمامه.
— رقم العقار والشقة وكل شيء متطابق.
سكت.
سألته:
— أنت قلت لي إن الشقة كانت ملك أبيك، أليس كذلك؟
— نعم.
— إذن كيف اشترتها أمي قبلك بعشرين سنة؟
فجأة اتصلت حماتي.
لا أعلم لماذا، ولكني رددت وقلت لها مباشرة:
— وجدت عقد الشقة القديم.
سكتت.
ثواني طويلة.
ثم سألتني:
— أي عقد؟
قلت:
— الذي باسم أمي.
أغلقت المكالمة في وجهي.
بعد أقل من نصف ساعة كانت عندنا.
دخلت لأول مرة من دون سلام.
أخذت العقد من يدي ونظرت لتوقيع أمي.
وقالت لزوجي:
— أنا قلت لأبيك أن يحرق هذا الورق.
نظرت إليها بصدمة.
— يعني أنكِ تعلمين؟
جلست على الكرسي.
وقالت:
— أمكِ لم تكن ترفض دخول البيت لأنها غير مرتاحة فيه.
— إذن لماذا؟
رفعت عينيها باتجاه ممر الشقة.
وبالتحديد باتجاه غرفة ابنتي.
وقالت:
— لأن هذه الغرفة كانت غرفتها هي.
شعرت ببدني كله يبرد.
زوجي صرخ:
— أمي، كفى!
لكنها أكملت:
— منذ 20 سنة، أمكِ خرجت من هذه الشقة في منتصف الليل وأقسمت أنها لن ترجع إليها أبداً.
سألت:
— لماذا؟
حماتي نظرت إلى زوجي.
ثم قالت:
— اسألي زوجكِ أين مات أبوه فعلاً.
زوجي وقف فجأة.
وفي هذه اللحظة خرجت ابنتي من غرفتها ممسكة بصندوق خشبي صغير.
قالت:
— أمي… أنا وجدت هذا تحت لوح مفكوك في أرضية غرفتي.
أخذت الصندوق.
كان عليه اسم أمي.
وتحته جملة محفورة:
“لو سكنت ابنتي هنا يوماً… إذن هم كذبوا عليها كما كذبوا عليّ.”
رفعت عيني باتجاه حماتي.
لكنها كانت تتراجع باتجاه الباب وهي تقول:
— أنا لا شأن لي… زوجي هو من فعل كل شيء.
فتحت الصندوق.
وأول شيء رأيته بداخل كان صورة قديمة لأمي…
واقفة في نفس صالة بيتي.
وبجوارها أبو زوجي.
لكن ما جعلني أفقد القدرة على الكلام…
أن أمي كانت ترتدي فستان زفاف.
حكايات بسمه
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كان الفستان أبيض ناصعاً، تطريزه القديم يشي بسبعينات أو ثمانينات القرن الماضي، وكانت أمي في الصورة تبتسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيها، متكئة على ذراع والد زوجي الذي كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ويقف في نفس الصالة… تحت نفس النجفة النحاسية الدائرية التي لطالما علقتُ عليها زينة الأعياد!
سقط الصندوق الخشبي من يدي ليحدث رنيناً مكتوماً على بلاط الأرضية. تتطايرت منه أوراق مطوية وصور أخرى.
صرختُ في زوجي والدموع تغشي بصري:
لمحة نيوز