قالولها اول مره بس

مشيره محمد

​جرجس قرب منه بخطوات بطيئة قاطعة. وقف قصاده بالظبط، وعينه في عين أبانوب، وقال له بصوت واطي جداً بس مرعب:

​«البيت الهادي ده.. والسكوت اللي أنت كنت فاكر أنك مدبّره صح.. والستائر المقفولة نص قفلة.. كل ده انتهى. التسجيل بتاع المكالمة موجود، والجملة اللي هي قالتها في التليفون هتفضل ملاحقاك لحد ما تعفن في السجن. وعايز أقولك حاجة.. الأطفال ما بيكدبوش في الوجع يا أبانوب.»

​أبانوب سكت ومقدرش يحط عينه في عين جرجس. العساكر أخدوه وركبوه عربية البوليس وسط نظرات الغضب والاستحقار من الجيران اللي كانوا واقفين على الرصيف، اللي اكتشفوا فجأة إن الشيطان كان ساكن وسطهم وهم مش حاسين.

​بعد ساعتين في قسم الشرطة، الجو كان مشحون بالتوتر.

​جرجس كان قاعد في مكتبه، قدامه فنجان قهوة سادة برد من بدري، وتقارير البلاغ مفتوحة قدامه. كان بيحاول يكتب التقرير النهائي، بس كل ما ييجي يكتب كلمة، يفتكر صوت مارينا وهي بتقول: «هو قال لي هي أول مرة بس اللي بتوجّع».

​الباب خبط وجمعت الموظفة بتاعة النجدة اللي استقبلت المكالمة، كان اسمها سارة. سارة كانت باين عليها التعب والوجع النفسي، عينيها كانت حمرا من الدموع اللي حبستها طول اليوم.

​سارة دخلت وقعدت على الكرسي قصاد جرجس:

​«يا أونكل جرجس.. أنا مش قادرة أطلع الصوت ده من دماغي. بقالي سنين بشغال في النجدة، شفت حوادث وموت ودم، بس المكالمة دي كسراني من جوه.»

​جرجس بص لها وأخد نفس طويل، وحط القلم من إيده:

​«عارف يا سارة.. فيه جرائم لما بتحصل، ما بتكونش مجرد خرق للقانون، بتكون كسر في روح البني آدم. الراجل ده ما اعتدى على طفولة بس، ده استغل براءتها، واستغل إنها مالهاش حد بعد موت أهلها، واستغل خوفها من ربنا عشان يسكتها.»

​سارة بلعت ريقها وسألت:

​«والبنت دلوقتي إيه أخبارها؟ الدكتور قال إيه؟»

​جرجس سند ظهره لورا وقال بنبرة حزينة:

​«دكتورة الفحص الطبي في المستشفى أكدت البلاغ. مارينا اتعرضت لأبشع أنواع الأذى جسدياً ونفسياً. بس الحقيقة.. البنت دي قوية أوي يا سارة. الذكاء والشجاعة اللي خلوها تستنى لما هو ينزل أو يغفل وتتسحب للتليفون وتطلب النجدة وهي بتترعش.. دي حاجة معجزة. الكلمة اللي قالتها لك هي اللي فتحت باب السجن على الراجل ده.»

​في اللحظة دي، دخل الظابط الشاب “مينا” وهو شايل ملف في إيده:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *