قالولها اول مره بس

مشيره محمد

جرجس ما استنّاش لما الراجل يكمل جملته، ولا ساب له المساحة إنه يلعب لعبة “الأب المظلوم اللي فيه سوء فهم حصل معاه”. عينه كانت معلقة على صوابع مارينا البيضا اللي ماسكة في حرف باب الأوضة، وعلى النظرة المكسورة المرتعشة اللي طلّت من الفتحة الصغيره.

​في لحظة واحدة، وجسمه متخشب من الغضب المكتوم، زق الباب برجله زقة قوية خلت الراجل يترزع لورا في الحيطة. جرجس دخل جوه الصالة، وطية صوته اللي كانت هادية تحولت لصوت زي الرعد الهادي، قاطع ومحدد:

​«حط إيدك فوق رأسك وانزل على ركبتك دلوقتي! ولا كلمة.. ولا حركة!»

​الراجل، وكان اسمه أبانوب، وشّه اصفرّ في ثواني. حاول يلم نفسه ويعدل قميصه اللي كان مكرمش، وحط ابتسامة ثانية ألعن من الأولى:

​«يا حضرة الظابط أنت فاهم غلط والله.. دي بنتي وكانت بتعيّط عشان مش عايزة تأكل، وأنا كنت بمشيها كلمتين بس.. أنت داخل بيتي كدة إزاي؟»

​جرجس ما ردش عليه بحرف. طنّش كلامه تماماً، وطلّع الكلبشات من حزامه وصوته طالع بثقة وظابط عتريس قَضَى عمره كله في الشارع:

​«ولف ضهرك.. حط إيدك ورا ضهرك بقولك!»

​في نفس اللحظة، الباب بتاع الأوضة اتفتح بشويش خالص، وطلعت منه مارينا. كانت لابسة فستان أصفر صغير عليه رسومات ورد ممسوحة من كتر الغسيل، وشعرها الأسود الميرون كان منكوش ونازل على وشها، وفيه دموع ناشفة عاملة خطوط بيضا على خدودها السمرة الصغيره. كانت ماسكة في إيدها دبدوب قديم مقطوع منه عين، ورجليها الحافية كانت بتترعش وهي ماشية على خشب الأرضية.

​جرجس أول ما شافها، نزل على ركبة ونص فوراً. الشيب اللي في شعره والـ 52 سنة بتوع عمره اختفوا في ثواني، ووشه الصارم الملامح تحول لوش أب حنين. وطى ركبته لحد ما بقى في مستوى طولها، ومد إيده بشويش خالص من غير ما يقرّب منها أوي عشان ما يخوفهاش:

​«مارينا.. يا حبيبتي، أنا أونكل جرجس.. فاكرة الصوت اللي كان بيكلمك في التليفون؟ أنا جيت اهوه.. محدش يقدر يلمسك ولا يضايقك تاني طول ما أنا هنا.»

​مارينا بصت لجرجس، وبعدين بصت لأبانوب اللي كان بيترافا وهو متكلبش على الأرض وبيبرطم بكلام مش مفهوم. شفايفها الصغيره كانت بتترعش، وصوتها طلع واطي ومبحوح كأنه طالع من بئر ملوش قاع:

​«هو.. هو قال لي لو حكيت لحد، ربنا هيزعل مني وأنا هروح النار.. وقال لي هي بتوجّع أول مرة بس وبعد كده خلاص..»

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *