الصقر الثائر. مشيره
مشيره محمد
روايات مشيره محمد
كنت بمسح الأرض في الممر لما جالي التليفون اللي عرفت منه إن ابني اللي عنده سبعتاشر سنة انضرب بالنار في ركبتيه الاتنين، وإن الراجل اللي ضربه كان بيضحك وهو بيصرخ من الوجع. بعد أقل من ساعة، كنت واقف جنبه في المستشفى، وبسمعه بيهمس بصوت مكسور يا بابا… حاسس إني مش همشي تاني أبداً. الراجل ده كان فاكرني مجرد راجل كبير في السن شغال في النظافة ملوش حيلة، مكنش يعرف أنا مين زمان ولا أقدر أعمل إيه.
أنا اسمي حسام. وعلى مدار سبعتاشر سنة، كنت شغال شفتات بالليل بمسح وأنظف الممرات. بالنسبة لأي حد بيعدي من جنبي، كنت غير مرئي مجرد جزمة قديمة، وقميص شغل دبلان، وجردل مسح، وعيون باين عليها التعب.
وهو ده بالضبط اللي كنت عايزه.
قبل ما أتجوز وأبقى أب، كان ليا حياة تانية خالص. قضيت يجي عشرين سنة بقود عمليات ومهام صعبة في أماكن مفيش حد يسمع عنها، وكنت باخد قرارات تحت ضرب النار وبنَفِّذ مهام محدش يعرف عنها حاجة.
بعدين قابلت سارة.
وبعدين جيه ابني يوسف للدنيا.
وسبت كل ده ورامايه ورا ضهري.
في الليلة دي، التليفون هز في جيبي وأنا بعصر المساحة.
سارة.
عمرها ما كلمتني في وقت شغلي أبداً.
أول ما سمعت صوت عياطها، قلبي اتقبض.
حسام… كانت بتتكلم بالعافية، يوسف يا حسام!
إيدي اتجمدت، والمساحة وقعت مني على الأرض الرخام.
في إيه؟ جراله إيه؟
انضرب بالنار! إحنا في المستشفى… تعالَ بسرعة أرجوك!
مش فاكر السواقة كانت إزاي، كل اللي فاكره أضواء المطبخ، وإيديا اللي كانت بتعصر دركسيون العربية، وفكرة واحدة عمالة تتعاد في دماغي يارب ألاقيه عايش.
أول ما دخلت الطوارئ، لقيت سارة واقفة بره الأوضة بتترعش ومش قادرة تقف على حيلها.
بصيت من ورا الإزاز.
يوسف كان مرمي على السرير.
ابني اللي عنده سبعتاشر سنة، كابتن فريق السلة في مدرسته، الولد اللي بيسيب كوتشيه في الصالة ويدخل يقلب التلاجة بعد نص الليل.
دلوقتي وشه أبيض زي الفرخة من كتر الوجع.
رجلي الاتنين ملفوفين بشاش تقيل شربان دم.
في دكتور خرج من الأوضة، وأول ما شفته اتسمرت مكاني.
سامح؟
دكتور سامح بصلي باستغراب.
كنا زمايل زمان بره مصر، ودلوقتي بقى من أكبر دكاترة جراحة العظام والطوارئ.
الحالة إيه؟ سألته.
تردد لحظة قبل ما يرد.
التردد ده فهمك كل حاجة.
وقال بصوت واطي الركبتين اتدمروا خالص… العظم متفتت. هيحتاج عمليات كتير، والشفاء ممكن ياخد شهور، ويمكن سنين.
سارة حطت إيدها على بقها وبكت.
أنا سندت على الحيطة.
مين اللي عمل كده؟
سامح بص حواليه في الممر، وقرب مني وقال رمزي.
الاسم نزل عليا زي الصاعقة.
كل الناس تعرف رمزي. نفوذ، ومعارف، وحماية. راجل فاكر إن القوة اللي في إيده تديه الحق يفتري على أي حد.
دخلت أوضة يوسف ومسكت إيده.
فتح عينيه بالعافية.
بابا؟
وبدأ يعيط.
هو اللي ضربني بالنار، يوسف همس.
ضغطت على صوابعه.
وكان بيضحك.
سسناني اتكزت على بعضها من الغل.
يوسف بلع ريقه وهو بياخد نفسه بالعافية.
قاللي عشان تتعلم إزاي تبصلي كده تاني.
للحظة، مكنش مسموع في الأوضة غير صوت جهاز ضربات القلب.
بعدين يوسف بص لرجله الملفوفة.
بابا… أنا مش حاسس بيهم… مش همشي تاني صح؟
صوته اتكسر.
بوست راسه ووعدته إن كل حاجة هتبقى تمام وإني هجيبله حقه.
بس جوايا، في حاجة كنت دفنها من سبعتاشر سنة… فتحت عينيها وصحيت.
بعدها بساعات، ويوسف جوة أوضة العمليات، قعدت لوحدي في عربيتي في جراج المستشفى والتليفون في إيدي.
رمزي كان فاكر إن نفوذه هيحميه.
وفاكر إن الناس اللي زيي ضعاف ومبيقدروش يتردوا.
قعدت أقلب في الأرقام القديمة اللي ملمستهاش من يجي عشرين سنة، لحد ما لقيت الرقم ده.
ودوست اتصال.
رد عليا بعد أول رنة.
الصقر؟
بصيت لشباك المستشفى فوق، المكان اللي ابني بيموت فيه عشان يعيش.
قلتله جمع الفِرقَة.
السكوت على الناحية التانية قعد تلات ثواني.
وكانوا كافيين جداً عشان يفهموا إحنا داخلين على إيه.
روايات مشيره محمد
سكتّ ثانية وأنا ماسك التليفون على ودني، وسامع صوت الأنفاس المنتظمة على الناحية التانية. كأن الزمن رجع بيا عشرين سنة لورا. نفس السكوت اللي بيسبق أي عاصفة.
الصوت جه من الناحية التانية، جاف وبارد، بس فيه نبرة حديد فاهم يا صقر. ساعتين والرجالة كلهم هيكونوا عندك. الأوامر إيه؟
قلت بنبرة هادية بس تطلع شرار مش عايز نقطة دم وحدة تتسرب بره الدائرة. عايزك تجمعلي كل ملفات رمزي. كل نفوذه، الفلوس اللي بيتغطى بيها، والرجالة اللي ضهره بيهم. مش هنضربه في جسمه… هنضربه في كل حاجة بيمتلكها لحد ما يجي لحد عندي يترجاني.
قفل المكالمة. نزلت التليفون وبصيت لإيدي اللي كانت بتبص على الشباك المنور في الدور التالت… الأوضة اللي فيها يوسف بين الحياة والموت.
الناس في المنطقة دي يعرفوني باسم حسام. حسام اللي بيمشي جنّب الحيط، الراجل اللي شعره طاله الشيب، شغال بالمساحة والجردل في مبنى الإدارة والمحكمة، يسلم على ده وابتسامته طيبة لده، ومحدش بيفكر يبص في وشه مرتين. محدش كان يتخيل إن حسام ده هو نفسه الصقر… الاسم اللي كان بيترعب منه كبار العصابات والمهربين في شبكات التهريب الدولية زمان.
طلعت من العربية ورجعت تاني على الطوارئ.
سارة كانت قاعدة على الكرسي الخشب، حاطة وشها بين إيديها وبتبكي بصوت مكتوم. قعدت جنبها وأخدتها في حضني.
حسام… يوسف مش هيقف على رجله تاني؟ الدكتور قال العظم متفتت خالص… ابني يا حسام، ابني كان بيلعب سلة الصبح!
طبتبت على ضهرها، وصوتي كان أهدى من المعتاد، وده الهدوء اللي كان