الدولاب..

حصرى.. مشيره محمد

حصرى. روايات مشيره محمد

​الأكرة النحاس كانت بتلف ببطء شديد.. صوت التزييق الصادِر منها كان مع كل درجة بيلفها كأنه مسمار بيترشق في عقلي.

​المكان كله كان ساكت، إلا من صوت نفس جنى الصدري المقفول وهي ماسكة في قميصي بكفوفها السخنة نتشة غريق، وصوت موظف الإسعاف في التليفون اللي دليته على كتفي وهو بيزعق: “يا فندم؟ يا فندم أنت معايا؟ العنوان مظبوط؟”

​قفلت السكة في وشه وحطيت التليفون في جيبي من غير ما أرد.

​دقات قلبي كانت أسرع من الدقيقة. بصيت لجنى اللي كانت قافلة عينها وبتهز رأسها بنفي رفيع أوي: “متفتحش يا جدو.. عشان خاطري متفتحش..”

​شلتها بأيد واحدة بأقصى قوة فاضلة في جسمي الراجل العجوز، وإيدي التانية قربت من الأكرة. الرعب الحقيقي مش إنك تخاف من حاجة جهنميّة، الرعب الحقيقي هو إنك تتفاجأ بمدى البشاعة اللي ممكن يوصل لها أقرب الناس ليك.

​مسكت الأكرة.. كانت ساقعة زي الثلج.

​زقيت الباب بشويش.

​النور الأبيض بتاع الصالة تسلل جوة ضلمة الدولاب. وبانت الحقيقة اللي تخلي الدم يهرب من العروق!

​مطبقة على الأرض، وسط أكياس الخزين وعلب التموين القديمة، كانت فيه “حاجة” ملفوفة ببطانية زرقا كحتة. بتترعش، وبتحاول ترفع إيدها بتعب.

​مكانش فيه عفريت.. ولا كان فيه حكاية خرافية من بتوع الرعب.#حكايات_مشيره_محمد

​اللي كانت جوة الدولاب.. كانت بنت تانية!

​بنت في نفس سن جنى تقريباً، أو أصغر سنة.. وشها أصفر زي الميتين، شفايفها زرقا من الساقعة والضغط، وإيديها الاتنين كانوا مربوطين لورا بحبل غسيل بلاستيك أزرق، وبقها متلصق بلزق عريض!

​عيني اتوسعت، وجسمي كله اتسحب منه العافية.

​”مين… دي؟!”

​الكلمة طلعت مني مخنوقة وبتترعش. البنت اللي جوة الدولاب رفعت عينها ليا، عينين مليانة دموع ورعب وسخونية بتهد الحيل هي كمان.

​في اللحظة دي، سمعت صوت سرينة الإسعاف جاية من بعيد في الشارع الفاضي.. صوت السراين كان بيدوي وسط ظلام التجمع، زي حبل نجاة اتطرح لينا في نص المحيط.

​شلت جنى بحرص، ونزلت على ركبتي وأنا ماسكها بإيد، وبالإيد التانية قطعت اللزق من على بق البنت اللي في الدولاب.

​أول ما اللزق اتفك، البنت طلعت صرخة مكتومة وعيطت بصوت يقطع المصران: “يا عمو.. أنا عطشانة.. عطشانة أوي.. طنط شيرين حبستني هنا من الصبح..”

​دماغي كانت بتغلي. مين دي؟ وليه تامر وشيرين يعاملوا طفلة كده؟ وليه شيرين كاتبة في الورقة “إياك تصدق أي هبل عن الدولاب”؟

​الجرس رن برة بفتك، وخبطات بتوع الإسعاف على الباب صحت الشارع المهجور.

​جريت فتحت الباب.. دخلوا الاتنين بتوع الإسعاف بالنقالة، أول ما شافوا المنظر: طفلة بتغلي بين إيديا، وطفلة تانية طالعة من دولاب الخزين مربوطة، الممرض بص لي بذهول ورعب: “إيه ده يا حاج؟! هو إيه اللي بيحصل هنا؟!”

​”شيلوهم بسرعة! البنات بيموتوا من السخونية!” زعقت فيهم بصوت شق سكون الليل.

​شالوا جنى والبنت الثانية على النقالة، ونزلنا بنجري على السلالم. دخلنا عربية الإسعاف، والممرض حط ماسكات الأكسجين وتركيب الكانيولات فوراً. المحاليل كانت بتنقط بسرعة، وأنا قاعد في النص، ماسك إيد جنى بإيد، وإيد البنت الغريبة بالإيد التانية.

​في السكة للمستشفى، ومابين المحاليل وكمادات المية الساقعة، جنى فتحت عينها بالعافية، وبصت للبنت اللي جنبها وقالت بصوت مهدود: “دي… دي مريم يا جدو.. مريم صاحبتي.”

​”صاحبتك؟!” بصيت للبنت اللي بدأت تسترد أنفاسها بالعافية.

​البنت بكت: “طنط شيرين جابتني من البيت الصبح.. قالت لماما إنها تاخدني نلعب مع جنى وشوية وهترجعني.. بس لما جيت، شفتها بتدي لجنى الدواء البرتقالي بالعافية.. وجنى فضلت تصرخ وتقول مش عايزة أكياس.. وبعدين طنط شيرين زقتني في الدولاب وقالتلي لو اتكلمتي أو عملتي صوت هحبسك هنا لحد ما تموتي!”

​الدواء البرتقالي!

​افتكرت علبة الدواء الشفافة اللي كانت على الرخامة. العلبة اللي مكتوب عليها اسم مش اسم جنى.. اسم دواء نفساني ثقيل جداً مبيتصرفش إلا بروشتة حمرا وممنوع تماماً على الأطفال لأنه بيبطئ ضربات القلب وبيعلي الحرارة لدرجات قاتلة لو اتأخد بجرعة غلط!

​وصلنا مستشفى التجمع العام.

​الدكاترة والممرضين اتلموا فوراً. حالة طوارئ ج. البنات اتسحبوا على العناية المركزة فوراً عشان يتعمل لهم غسيل معدة وتبريد سريع للجسم.

​وقفت أنا في الممر الطويل الساقع.. ريحته مطهرات والمباني الحديثة بتعكس نيون أبيض كئيب.

​إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع التليفون من جيبي. الساعة كانت ٣:٣٠ الصبح.

​طلبت رقم تامر.. ابني.

​الجرس يَرِن.. يَرِن.. ومفيش رد.

​طلبت تاني.. وتالت.. في المرة الرابعة، فتح الخط. صوت موسيقى صاخبة وضحك في الخلفية كان طالع من الموبايل! صوت بحر وأغاني عيد ميلاد!

​”أيوة يا بابا؟” صوت تامر كان طالع فيه نشوة ولامبالاة استفزت كل نقطة دم في جسمي. “أنا مش قلت لك متتكبرش الموضوع؟ إحنا في طريقنا لمطروح خلاص، أو وصلنا الأوتيل.. جنى كويسة، هي بس بتحب تعمل شو..”

​”تامر…” صوتي طلع واطي بس محمل بوزن جبل. “أنت فين يا تامر؟”

​”قلت لك يا بابا في مطروح! بنحتفل بعيد ميلاد يوسف! شيرين عاملة له مفاجأة.. هي جنى صحيت وعملت مناحة تاني؟”

​”تامر.. جنى في العناية المركزة في مستشفى التجمع العام.. بتموت بغسيل معدة.”

​السكوت حل على الناحية التانية. الموسيقى العالية في الخلفية اختفت فجأة، كأن حد وطى الصوت أو خرج برة القاعة.

​”إيه… أنت بتقول إيه يا بابا؟”

​”والبنت الثانية.. مريم.. بنت جارتكم أو صاحبتها.. طالعة من دولاب الخزين مربوطة بحبال ومحتبسة!”

​سمعت صوت صرخة خفيفة من شيرين جنبي في الخط، وصوت تامر وهو بيلهث: “بنت مين؟! مريم إيه؟! بابا أنت بتخرف؟!”

​”تعالى يا تامر.. تعالوا فوراً.. عشان الظباط مستنيينكم هنا.”

​قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع كلمة زيادة.

​بعد أقل من عشر دقائق، دخل الممرض ووراه ظابط شرطة بزي رسمي. الظابط قرب مني بملامح حادة: “حضرتك الجد اللي أبلغت؟”

​”أيوة يا باشا..”

​”إحنا لقين دواء مجدول جدول أول مخدرات ومثبط للأعصاب في الشقة بناء على معاينة النجدة.. والبنت الصغيرة (مريم) أصلها معمل لها بلاغ اختطاف وتغيب من ساعتين من أهلها في التجمع!”

​قعدت على الكرسي البلاستيك الساقع ومسكت رأسي بإيديا الاثنين. الدنيا كانت بتدور بيا.

​كيف أتحول ابني الوحيد.. اللي ربيته على الأصول والرحمة.. لأداة في إيد ست مريضة ومعقدة زي شيرين؟

​مرت ساعتين زي سنتين.

​على الساعة ٦ الصبح، والشمس تبدأ تششق وتدخل من شبابيك المستشفى الطويلة، سمعت صوت خطوات سريعة ومذعورة في الممر.

​تامر وشيرين.

​شيرين كانت داخلة ووشها اصفر زي الليمونة، لابسة نظارة شمسية محاولات تغطي بيها رعبها، وتامر وراها وشكلك مشوش ومصدوم، وبيجروا ناحية العناية.

​أول ما شيرين شافتني وشافت الظابط واقف مع أفراد أمن المستشفى، رجعت خطوة لورا وكانت هتلف وترجع، بس أفراد الأمن قفلوا الممر.

​تامر قرب مني وهو بيترعش: “بابا! جنى جرالها إيه؟! البت جرالها إيه؟!”

​رفعت إيدي وضربته بالمشين على وشه!

​القلم رن في الممر الفاضي بصوت يوجع القلب. تامر حط إيده على خده وبص لي بذهول ودموع.

​”يا خسارة تربيتي فيك يا تامر!” صرخت فيه وأنا بجيب أُخري. “تبيع بنتك؟ تسيب حتة منك بتموت بالسم عشان خروجة وعيد ميلاد؟! وتغطي على ج/ريمة مراتك؟!”

​شيرين صرخت بصوت هيستيري: “أنا معملتش حاجة! البت دي هي اللي مجنونة! جنى هي اللي كانت بتسرق الأدوية! ومريم دي هي اللي دخلت البيت من غير استئذان واستخبت!”

​في اللحظة دي، الباب بتاع العناية المركزة اتفتح.

​خرج الدكتور، وشاب وسيدة يبدو عليهم الانهيار.. أهل مريم.

​أول ما أم مريم شافت شيرين، هجمت عليها زي اللبؤة المجروحة: “يا مجرمة! يا مريضة! خطفتي بنتي وحبستيها في الدولاب عشان متقولش إنك بتديه دواء مخدر لبنتك؟!”

​الأمن مسك أم مريم بالعافية، والظابط قرب وكلبش إيدين شيرين وإيدين تامر!

​الظابط بص لشيرين ببرود: “التحريات المبدئية وكاميرات المراقبة في العمارة مفرغة يا هانم. باين وأنتِ بتسحبي البنت مريم من الممر وبتدخليها الشقة بالعافية الساعة ٤ العصر. وبنتك جنى اعترفت في الشبه إفاقة إنك بتديها الدواء ده من شهور عشان تنام وما تطلبش تخرج معاكم ولا تضايق يوسف!”

​تامر بص لشيرين بذهول وذهول تام: “شيرين… أنتِ كنتِ بتديهم دواء؟ أنتِ مش قلتي لي ده فيتامين ومطهر عشان دور البرد؟!”

​شيرين بكت بهستيريا وهي بتتكلبش: “أنت كنت عارف! أنت كنت عارف إننا مش عايزينها معانا! أنت اللي وافقت نسيبها!”

​”كنت فاكرها تعبانة بجد وسيبناها ترتاح عند خالتها زي ما قلتي لي! أنتِ ضحكتِ عليا ومسحتِ دماغي!” تامر كان بيصرخ كأنه فاق فجأة من كابوس أو سحر كان معمول له.

​الظابط سحبهم الاتنين برة الممر وسط صراخ شيرين وعياط تامر اللي كان بيبص لي وبيترجاني: “سامحني يا بابا.. والنعمة ما كنت اعرف إنها بتسقيها سم! سامحني يا بابا!”

​بس أنا أديرت ظهري عنه. الدموع كانت نازلة على وشي حامية زي النار.

​دخلت غرفة العناية المركزة.

​الهدوء كان سيد المكان، وصوت أجهزة النبض هو الوحيد اللي شغال.

​جنى كانت نايمة على السرير، المحاليل في إيدها الصغنونة، ووشها بدأ يسترد ألوانه الطبيعية شوية بشوية. الحرارة نزلِت، ونفسها بقى أهدى وأنتظم.

​قعدت على الكرسي جنبها، ومسكت إيدها الدافية وحطيتها على خدّي.

​فتحت عينها بشويش.. بصت لي وابتسمت ابتسامة ضعيفة أوي، مكسورة، بس مليانة أمان.

​”جدو..”

​”يا روح جدو.. يا قلب جدو من جوة.”

​”هما… هما مشيوا وسابوني تاني؟”

​دمعة نزلت من عيني وحطيت شفتي على قورتها: “محدش يقدر يسيبك تاني أبداً يا جنى.. من النهاردة أنتِ في حضني، وفي بيتي.. ومفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدك عني ولا تؤذيكي طول ما أنا فيا نفس.”

​جنى غمضت عينها تاني، بس المرة دي نامت بجد.. نوم عميق ومرتاح، كأنها كانت مستنية الكلمة دي عشان تطمن.

​طلعت الورقة البرتقالي من جيبي.. الورقة اللي تامر كتبها بخط إيده.. وخرمتها بوعي ورميتها في سلة القمامة.

​الليل المظلم انتهى، والشمس كانت طالعة تملى الأوضة بالنور.

​عرفت وقتها إن الجروح اللي في أجساد الأطفال ببتداوي بالمصل والدواء.. بس الجروح اللي في أرواحهم ملهاش غير أمان الحضن اللي بجد، الحضن اللي يعوضهم عن قسوة دنيا مفيهاش رحمة.. حتى لو كانت القسوة دي جاية من الأب والأم.

​تمت. #حكايات_مشيره_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *