الكابينه…

حصرى مشيره محمد

روايات_مشيره_محمد

فجأة سمعت حد بينادي عليا باسمي من الناحية التانية من الشارع

​بصيت ناحية الصوت لقيت الراجل بتاع البوسطة واقف جنب عربيته وبيشاورلي ومسك في إيده ظرف تاني شبه الظرف الأولاني بالظبط وقاللي معلش يا مدام ده وقع مني وأنا بنزل الجوابات من الشنطة. أخدت منه الظرف وإيدي بتترعش وحسيت إن قلبي بيتقطع نصين.

​طلعت الشقة والهدوء كان مالي المكان كأن الموت بيلف في الأركان. دخلت المطبخ وحطيت الكيكة والشمع على الترابيزة وعيني مش مفارقة الظرفين. أيدي كانت خايفة تتفتح بس الشك كان أسرع مني. فتحت الجواب الأولاني وطلعت منه ورقة صفراء قديمة مكتوبة بخط يد مرتب جداً ومعاها صورة شهادة ميلاد.

​قريت السطور الأولى وركبي ما شالتنيش وقعدت على الأرض من الصدمة.

​الجواب كان مكتوب فيه: “لو بتقري الجواب ده دلوقتي يبقى أمل تمت 18 سنة. أنا مش حد غريب أنا أمها الحقيقية. وأنا ما سبتهاش في المطار زمان عشان مش عايزاها ولا عشان ظروفي صعبة. أنا سبتها عشان أنقذ حياتها وحياتك. أمل مش البنت اللي إنتي فاكراها يا هدى. أمل عارفة كل حاجة عن قصتها وعارفة إنك مش أمها من وهي عندها 12 سنة وكان لازم أرجع في اليوم ده بس الظروف كانت أقوى مني.”

​عقلي وقف عن التفكير. أمل عارفة؟ أمل اللي كانت كل سنة تقعد في حضني وتبكي وتقولي احكيلي قصة المطار تاني يا ماما؟ أمل اللي كانت تحط إيدها على وشي وتقولي أنا من غيرك ولا حاجة؟ كل ده كان تمثيل؟

​فتحت الجواب الثاني ولقيت فيه فلاشة صغيرة مفاتيح ومذكرة صغيرة جلودها متآكلة.

​في الوقت ده سمعت خطوات رجليها على الخشب بتاع الصالة. خطواتها الناعمة اللي حافظاها عن ظهر قلب. خرجت من الأوضة وهي بتتمطع ولابسة البيجامة البيضاء اللي جبتها لها في عيد ميلادها وهي بتغني بصوت واطي: “كل سنة وأنا طيبة يا أحلى أم في الدنيا.”

​أول ما عيني جت في عينها شافت الأوراق والفلاشة في إيدي. ابتسامتها اختفت في ثانية واللون طار من وشها كأنها شافت شبح واقف قدامها.

​قربت مني بخطوات بطيئة وحذرة وقالت بصوت متلجلج: “ماما.. في إيه؟ إنتي ماسكة إيه في إديكي ده؟”

​بصيت لها ونظرة الحسرة في عيني مش عارفة أنطق. الجملة تطلع من لساني بالعافية: “أمل.. مين اللي بعت الجوابات دي؟ وليه الجواب ده مكتوب فيه إنك عارفة كل حاجة عن أمك وعن المطار من 6 سنين فاتوا؟ إنتي كنتِ بتخدعيني يا أمل؟”

​أمل رجعت خطوة لورا وجسمها كله بقى يترعش. دموعها نزلت في ثانية من غير ما تعمل صوت. وقفت قدامي وهي بتهز رأسها بنفي وقالت بصوت مكسور: “والله العظيم ما خدعتك يا ماما! والله العظيم أنا بحبك إنتي.. إنتي أمي الوحيدة وما لكيش ذنب في العذاب ده كله!”

​مسكت المذكرة والفلاشة ورفعتهم في وشها وقلت بزعيق والدموع نازلة من عيني تحرق وشي: “فهميني! مين دي؟ وليه بتكتب إنك بتكذبي عليا طول عمرك؟ أنا اديتك حياتي كلها يا أمل! لما لقيتك في المطار كنت مكسورة وجوزي سابني وبنتي ماتت.. إنتي كنتِ النور اللي طلعني من الضلمة! تطلعي بتضحكي عليا طول السنين دي؟”

​قعدت أمل على الأرض عند رجلي ومسكت في بوز بنطلوني وهي بتبكي بحرقة وتقول: “اسمعيني يا ماما أرجوكي.. الجواب ده من ست اسمها سحر.. سحر دي تبقى أخت أمي الحقيقية.. أو بمعنى أصح الست اللي كانت عايشة مع أمي قبل ما تموت.”

​الكلام ينزل عليا زي الصاعقة: “أمك الحقيقية ماتت؟”

​أمل وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها قالت: “أمي ماتت في اليوم اللي سبتني فيه في المطار يا ماما! أمي ما سابتنيش ومشت.. أمي اتق/تل/ت في المطار!”

​المطبخ كله سكت. الصوت الوحيد كان صوت تكتكة الساعة على الحيطة وصوت أنفاسنا المتسارعة.

​أمل كملت كلامها وهي بتتكلم بصوت طالع بالعافية: “من 6 سنين لما كان عندي 12 سنة جالي راجل غريب عند المدرسة.. أداني جواب فيه الصورة دي وفيه تسجيل صوتي لأمي وهي بتتكلم قبل ما تموت بساعات. أمي كانت هربانة من أهلها ومن راجل طمعان في ورثها وممتلكاتها وكانوا عايزين يقت/لوها وياخدوا كل حاجة. هي حست إنهم نازلين وراها المطار وهتوصلهم قبل ما تطلع الطيارة. دخلت الحمام وحطتني على الترابيزة ودعت ربنا إن حد أولاد الحلال يلاقيني. دخلت إنتي الحمام بعديها بـ 10 دقايق.. أمي كانت مستخبية في الكابينة اللي جنبك وشايفاكي وإنتي بتاخديني في حضنك وتصرخي عشان الناس تتلم.”

​دموعي نزلت بزيادة وأنا بفتكر اليوم ده: “يعني أمك كانت معايا في نفس الحمام؟”

​أمل هزت رأسها وقالت: “أيوه.. ولما إنتي خرجتي بيا عشان تجيبيل المساعدة.. الراجل اللي كان بيلحقها دخل الحمام وراها.. وحصلت مشادة بينهم وهي وقعت وخبطت رأسها في الرخام وماتت في ساعتها.. والأمن افتكرها حالة إغماء أو سكتة قلبية والتحقيقات اتقفلت على كده لأن ما حدش كان يعرفها.”

​سألتها وأنا حاسة إن عقلي بيتشتت: “وليه ما حكيتليش يا أمل؟ ليه خبيتي عليا كل ده وشيلتي الشيلة دي لوحدك من وانتِ عيلة عندها 12 سنة؟ ليه كنتِ بتخليني أحكيلك قصة المطار وتتظاهري إنك أول مرة تسمعيها؟”

​أمل رفعت وشها وبصت في عيني بالدموع اللي مالياهم وقالت: “عشان كنت خايفة يا ماما! الراجل ده لما جالي عند المدرسة قالي لو حكيتي لـ هدى على أي حاجة.. أختها أو هي هيجرالهم حاجة.. وقالي إن أمي سبتلي ورث كبير جداً باسمي وإنهم يستنوا لما أتم 18 سنة عشان ياخدوا التوقيع مني ويتنازلوا عن كل حاجة. الراجل ده كان مهددني بيكي إنتي! كنت خايفة أقولك تقوم تروحي للبوليس فيقت/لوكي أو ياخدوني منك! أنا ما كانش يهمني الورث ولا الملايين ولا أمي الحقيقية.. أنا كل اللي كان يهمني إنك تفضلي جنبي وما يحصلكيش حاجة!”

​أمل فتحت إيدها ومسكت الفلاشة من إيدي وحطتها في اللاب توب اللي كان على الترابيزة. اشتغل صوت ست ناعم بس مليان خوف وتردد: “لو بتسمعي الكلام ده يا بنتي.. فاعرفي إن ربنا اختارلك حماية أفضل من حمايتي. الست اللي خدتك في حضنها في المطار دي ربنا بعتها عشان تكون أمك الحقيقية. أنا أخدت اسمك الحقيقي معايا.. بس إنتي اسمك أمل.. أمل اللي هيعيش لما أنا أموت. خالك هو اللي بيطاردني وهو اللي عايز يقت/لني عشان ياخد الشركات والأراضي اللي بابا كتبها باسمي قبل ما يموت. يا أمل.. لو عشتي وكبرتي.. خدي بالك من نفسك وما تثقيش في حد غير الست اللي ربتك.”

​التسجيل خلص والأوضة دخلت في صمت رهيب.

​أنا قعدت على الكرسي ومش قادرة أستوعب كمية الوجع والخوف اللي البنت دي شالته في قلبها طوال 6 سنين. طفلة عندها 12 سنة عايشة بتهديد وبخوف ومخبية عن أمها كل حاجة عشان تحميها!

​أمل قربت مني وحطت رأسها على ركبتي وقالت: “يا ماما.. أنا ما كذبتش عليكي بدافع الخيانة.. أنا كذبت عليكي عشان أفتديكي بحياتي.. الراجل ده اللي بعت الجوابات هو خالتي سحر.. اللي هي في الأصل متفقة مع خالي وكانوا مستنيين اليوم ده عشان ياخدوا إمضتي على أوراق التنازل عن الورث ويخلصوا مني زي ما خلصوا من أمي.”

​رفعت وش أمل بكتفي ومسحت دموعها بأيدي. البنت اللي كنت فاكراها خدعتني طلعت بتضحي بعمرها ونفسيتها عشان تحميني أنا!

​قلت لها بصوت مليان قوة وأنا بمحي كل أثر للخوف من قلبي: “يعني هما فاكرين إننا صيد سهل؟ فاكرين إن حتة أوراق وتهديدات هتخليني أسيب بنتي ليه؟”

​أمل بصتلي باستغراب: “نعمل إيه يا ماما؟ هما ناس أقوياء ومعاهم فلوس ونفوذ.”

​سحبت الفلاشة والجوابات وقلت لها: “المرة دي مش هنسكت ولا هنخاف يا أمل. من 18 سنة ربنا بعتك ليا عشان أكون أمك.. والنهاردة أنا هكون السند والحماية اللي أمك الحقيقية ما لحقتش تكونهم ليكي.”

​أخدت الجوابات والفلاشة وطلعت تليفوني واتصلت بضابط شرطة قريبنا كان ماسك قضية قديمة وشرس جداً في شغله. حكيتله على كل حاجة واديته التسجيلات والأوراق.

​في نفس اليوم بالليل.. جيه اتصال لأمل من رقم مجهول.

​أمل بصتلي ووشها أصفر.. شاوريلها ترد وتفتح الميكروفون.

​الصوت كان لست حاد ومتسلط: “أهلاً يا أمل.. طبعاً قريتي الجوابات وعرفتي الحقيقة. الفلاشة والمذكرات معاكي.. بكرة الصبح الساعة 10 تكوني في العنوان اللي هبعتهولك في رسالة.. وتيجي لوحدك ومعاكي بطاقتك وأوراق التنازل.. لو فكرتي تبلاغي البوليس أو تقول للمرأة اللي مربياكي.. هتلاقي نفسك الصبح بتدفيها!”

​أنا مسكت التليفون من إيد أمل وقلت بصوت حاد كالحديد: “المرأة اللي مربياها سامعاكي يا سحر! وأنا مش مستنية بكرة.. ومفيش تنازلات هيحصل عليها.. والأوراق والتسجيلات بقت في إيد النيابة العامة دلوقتي! لو أجدع ما في خيلكم اركبوه!”

​قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة.

​البوليس عمل كمين محكم بناءً على المكالمة والبيانات اللي كانت في الفلاشة وموقع الرسالة اللي بعتتها سحر. وفي خلال 24 ساعة بس.. تم القبض على سحر وخال أمل بتهمة التهديد والابتزاز وإعادة فتح تحقيق في مقت/ل أم أمل بعد ما التحريات أثبتت وجود شوائب وتلاعب في تقرير الطب الشرعي القديم.

​بعد أسبوع من الأحداث دي.. كنا قاعدين في الصالة.. أمل مسكت الكيكة بالليمون وحطت فيها الشمع الأزرق وولعته من تاني.

​بصتلي وقالت بابتسامة صافية طالعة من قلبها: “حتى بعد كل ده يا ماما.. لسه عايزة أسألك سؤال عيد الميلاد بتاع كل سنة.”

​ابتسمت لها والدموع في عيني: “اسألي يا قلب ماما.”

​أمل قالت بصوت واطي: “إنتي اللي لقيتيني في المطار صح؟”

​مسكت إيدها وحضنتها جامد وقلت لها: “لأ يا حبيبتي.. ربنا هو اللي جابك في السكة اللي أقدر أحميكي فيها وأكون أمك بجد.. وإنتي اللي أنقذتيني من الضلمة مرتين.. مرة وانتِ بيبي ومرة وانتِ كبيرة.”

​طفين الشمع سوا.. والحياة بدأت من جديد من غير خوف ولا أسرار ولا كذب.

تمت.. روايات_مشيره_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *