الدفن

روايات_مشيره_محمد

فضلت باصة للمفتاح الصغير اللي مربوط فيه شريط أحمر، وأنا بحاول أفتكر آخر مرة شوفته فيها.
أمي كانت بتخبيه في حتة غريبة، تحت المخدة بتاعتها، أو جوه جيب المريلة القديمة اللي بتلبسها وهي بتعجن الفطير. وكنت كل ما أسألها عنه تقول لي:
ـ ده مفتاح مالوش لازمة يا هناء، سيبيه في حاله.
كنت بضحك وأقول لها:
ـ طب ما ترميه يا أمي طالما مالوش لازمة!
فتاخده مني بسرعة وتحطه في جيبها وترد بلهجة غريبة:
ـ مش كل حاجة مالهاش لازمة تبقى ملهاش لازمة يا بنتي.
وقتها كنت بضحك من كلامها، وما كنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل ترن في ودني طول عمري.
مسكت المفتاح وفضلت أقلبه بين صوابعي، لحد ما افتكرت الصاج القديم اللي أمي كانت حطاه في آخر الأوضة اللي ورا المطبخ.
الأوضة دي كانت أمي بتمنعني أدخلها من وأنا صغيرة. كانت دايمًا تقول إن السقف بينقط وإن المكان مليان تراب وحاجات قديمة ممكن تقع عليا.
بس في يوم من الأيام، وأنا عندي حوالي عشر سنين، دخلت وراها من غير ما تشوفني، وشفتها وهي بتحط حاجة تحت حتة صاج كبيرة مصدية، وبعدها رجعت الصاج مكانه.
لما سألتها كانت بتحط إيه، بصت لي بخضة وقالت:
ـ إنتِ دخلتي هنا ليه؟ مش قلت لك المكان ده خطر؟
ومن يومها ما دخلتش الأوضة تاني.
قمت من مكاني، ومسحت دموعي بطرف طرحة أمي اللي كانت لسه معلقة ورا الباب، ومشيت ناحية الأوضة.
كل خطوة كنت باخدها كنت حاسة إني داخلة على حاجة مش من حقي أعرفها.
فتحت الباب بالعافية، لأن مفصلاته كانت مصدية، وريحة التراب والرطوبة خنقتني. شغلت كشاف الموبايل، وبدأت أبص حواليا.
كل حاجة كانت زي ما هي.

جردل مكسور، شوية خشب قديم، كرتونة فيها هدوم أمي اللي ما بقتش تلبسها، وفي الركن البعيد كانت حتة الصاج.
قربت منها، ونزلت على ركبتي، وحاولت أرفعها.
كانت تقيلة بشكل مش طبيعي.
جبت عصاية خشب من جنب الحيطة، وفضلت أزق فيها لحد ما اتحركت شوية، وظهر تحتها باب حديد صغير، مدفون نصه في الأرض.
شهقت وغطيت بقي بإيدي.
باب حديد؟!
إزاي عايشين في البيت ده العمر كله، وأنا ما أعرفش إن فيه باب مدفون تحت الصاج؟
مسحت التراب بإيدي، وظهر قدامي قفل صغير.
طلعت المفتاح الأحمر، وحطيته في القفل.
لف من أول مرة.
صوت القفل وهو بيفتح خلاني أرتعش، وكأني بفتح باب قبر مش صندوق.
رفعت الباب الحديد بحذر، ولقيت تحته تجويف عميق، جواه صندوق خشب صغير ملفوف بقطعة قماش بيضا.
مديت إيدي وسحبته، وكنت مستنية ألاقي دهب أو فلوس، يمكن أمي كانت مخبية تحويشة عمرها.
لكن أول ما فتحت الصندوق، جسمي كله اتجمد.
كان مليان رزم فلوس متربطة بأستك قديم، ومغلفات بنية، ودفتر حسابات كبير، وتحتهم علبة صفيح صغيرة.
فضلت باصة للفلوس وأنا مش مصدقة.
فلوس كتير.
مش مجرد تحويشة ست غلبانة بتبيع فطير يومين في الأسبوع.
دي فلوس تكفي نعيش بيها سنين.
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع الرزم واحدة واحدة. لقيت إيصالات إيداع بنكية، وعقود، وأوراق عليها أختام رسمية، وكل ورقة كانت بتخليني أحس إني ما أعرفش أمي اللي عشت معاها خمسة وعشرين سنة.
وبعدين لقيت ظرف أبيض مكتوب عليه بخطها:
«لبنتي هناء… لو لسه فاكراني أمك الغلبانة.»
أول ما قريت الجملة، دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جواب طويل.
«بنتي هناء…

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *