ابويا وقف قدام

السما الزرقا.
أيوه.
أخد نفسًا بصعوبة.
فضلت مستنيكي تتحولي لشخص أقدر أفهمه.
بصيتله.
ولما ما حصلش؟
قررت إن ده معناه إنك مش بتتحولي لأي حاجة.
عينيه لمعت.
كنت غلطان.
هزيت راسي.
فرك وشه بإيديه.
أقدر أصلح اللي حصل؟
لأ، لكن تقدر تغيّر اللي هيحصل من هنا ورايح.
فضل باصصلي فترة طويلة.
نفسي تديني الفرصة دي.
أنا ما وعدتكش بيها.
عارف.
ولأول مرة من سنين، بابا تقبّل إجابتي من غير ما يحاول يفاوضني.
ماما استنت لحد وقت الغروب، لما معظم الضيوف مشيوا، والكراسي الفاضية رسمت ظلال طويلة على الأرض.
لقيتها قاعدة لوحدها في نفس الصف اللي قالت فيه للأمن إني مش مهمة.
كانت شالت عقد اللولي، وماسكاه في إيدها.
لما قربت، رفعت عينيها.
لبسته النهارده عشان جدتك هي اللي ادهولي.
ما رديتش.
كملت
كانت دايمًا تقارن بيني وبين أختي. أختي كانت أحلى، ودرجاتها أعلى، وكل الناس كانت بتحتفل بيها.
مررت صباعها على إحدى حبات اللولي.
وعدت نفسي إني مش هعمل كده مع أولادي.
دمعة نزلت على خدها.
وبعدين عملت نفس الحاجة.
كان سهل أواسيها، لكني ما عملتش.
أنا كنت محتاجة أم، مش تفسير.
هزت راسها.
عارفة.
لأ، اسمعيني. كنت محتاجاكي لما ما كانش عندي حاجة أتباهى بيها. لو اكتشاف رتبتي هو اللي خلاكي فخورة بيا دلوقتي، فأنا مش عايزة الفخر ده.
وشها انهار.
افتخرت بالحاجات الغلط.
أيوه.
مش عارفة أصلح ده إزاي.
مش هتقدري تمسحي اللي حصل.
قعدت على بعد كرسيين منها.
اتعلمي تحبي الناس قبل ما تعرفي تاريخهم الوظيفي وإنجازاتهم.
فضلنا نسمع صوت الأمواج البعيدة.
وبعدين سألتني، لأول مرة سؤال حقيقي
كنتِ خاېفة؟
عيني اتمَلَت بالدموع.
أيوه. أكتر من عدد المرات اللي أقدر أحصيها.
حطت إيدها على بقها.
وما كانش عندك حد؟
كان عندي ناس.
بس ما كانش عندك إحنا.
لأ.
انحنت لقدام وعيطت، وسِبتها ټعيط.
وبعد شوية، قربت كرسي منها.
مش لحد ما أقعد جنبها تمامًا، لكن كرسي أقرب.
وكان ده كفاية لليوم ده.
مع حلول الليل، أحمد لقاني بعد ما غيّر الزي الرسمي. الشارة الجديدة كانت لسه مثبتة بعناية على قميصه، وفي إيده العلبة السودا بتاعة محمود.
ما ينفعش أحتفظ بيها.
مش المفروض تحتفظ بيها أصلًا.
بصلي باستغراب، وكدت أبتسم.
محمود ما قالش إني أديهالك. قال لي أجيبها معايا.
ليه؟
أنا كمان سألت نفسي.
فتحت العلبة ورفعت البطانة الإسفنجية، فظهر تحتها ورق صغير مطوي.
اكتشفته في نفس اليوم، وإيدي اترعشت لما شفت خط محمود.
كانت الرسالة قصيرة
مريم،
لو الولد نجح، وريه الشارة. وبعدها رجّعيها معاه البيت.
ولما ترجعي إنتِ كمان بيتك
أخيرًا، افتكري حاجة
قضيتي عمرك فاكرة إن شغلك هو إنك ترجّعي كل الناس بسلام.
في يوم هتعرفي إن كان فيه حد لازم يرجّعك إنتِ كمان البيت.
سيبي الحمل ده.
محمود
قراها أحمد مرتين، وكتافه بدأت تترعش.
وبعدين رجعهالي.
عشان كده جيتي؟
جزء من السبب.
وإيه الجزء التاني؟
بصيتله.
إنت.
غطى عينيه بإيده.
استنيت لحد ما نزلها، فبان أصغر بكتير من سنه.
ليه؟
لأنك، رغم كل اللي حصل، أخويا.
أنا ما استحقش ده.
غالبًا لأ.
ضحك وسط دموعه، ودي كانت أول مرة أبتسم فيها بصدق طول اليوم.
لكن الحب والاستحقاق مش نفس الحاجة.
هز راسه، وبعدها سألني
ينفع أحضنك؟
السؤال وجعني، لأن أحمد عمره ما سألني قبل كده. كان دايمًا معتبر إن وقتي، وسماحي، وولائي، وحتى حضڼي، حاجات من حقه.
بصيتله ثواني، وبعدين هزيت راسي بالموافقة.
قرب ببطء، ولما حضڼي، ما ضغطش عليا بقوة. ضمني بحذر، كأنه أخيرًا فهم إن الإنسان ممكن يتجرح حتى لو اللي قدامه بيحبه.
حطيت خدي على كتفه.
أنا آسف يا مريم، قالها بصوت متقطع.
غمضت عيني.
عارفة.
لأ، لازم أقولها صح.
بعد عني شوية وبص في عيني.
آسف إني كنت عارف كفاية عشان أدافع عنك واخترت ما أعملش كده. آسف إني استغليت سكوتك عشان أبان أحسن منك. وآسف إني كنت باخد مساعدتك، وبعدين أعاقبك لأنك أقوى مما كنت عايزك تكوني.
صوته اتهز.
وآسف إنك لما جيتي عشاني النهارده، خليتك تتمني إنك ما كنتيش جيتي.
الجملة دي وصلت لأعمق چرح جوايا.
بصيت بعيد، وأضواء القاعدة بقت مشوشة قدام عيني.
وبعد لحظة قلت
شكرًا.
ما قلتش سامحتك، لأن الوقت ما كانش جه لسه.
وهو فهم ده.
عدّت ست شهور.
أحمد بقى يتصل بيا كل يوم أحد. ساعات كنت برد، وساعات لأ، وعمره ما اشتكى.
بابا بطل يحكي للأقارب عن إنجازات كل واحد فينا. ولما حد يسأله عن أولاده، بقى يقول
الاتنين بيعملوا شغل مهم بالنسبالهم.
ماما بدأت تسأل أسئلة كان المفروض تسألها من سنين
نمتي كويس؟ بتاكلي؟ هترجعي البيت إمتى؟
ما بقتش تسألني عن مكاني أو طبيعة شغلي، بس عن ميعاد رجوعي.
سلمى بعتتلي جواب، وخالتي نادية بعتتلي واحد كمان، لكني ما رديتش على أيٍّ منهما.
اتعلمت إن التعافي مش معناه إني أدي كل الناس حق الدخول لحياتي فورًا.
أحمد كان أكتر واحد بيحاول يتغير.
بعد تلات شهور من المراسم، اتصل بيا في نص الليل.
أنا غلطت.
جسمي اتحرك قبل عقلي، وقعدت في السرير بسرعة.
حصل إيه؟
مفيش حاجة في العمليات. أنا زعقت لواحد من الشباب عشان غلط في التدريب، وأهنته قدام الكل.
فركت جبهتي.
وبعدين؟
سمعت نفسي وأنا بتكلم. كنت شبه بابا بالظبط.
سكت لحظة، وبعدين كمل
اعتذرتله قدام نفس الناس اللي أهنته قدامهم.
وده كان مهم.
وهو عمل إيه؟
قبل اعتذاري.
اتعلمت إيه؟
إن الاعتذار بيكون أصعب بكتير لما تكون صادق.
ابتسمت في الضلمة.
كويس.
كويس؟
معناه إنك دفعت تمنه.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا بحاول يا مريم.
عارفة.
بعد سنة من المراسم، أنهيت خدمتي الفعلية.
مش لأن عيلتي أخيرًا فهمتني، ولا عشان أحمد، لكن لأن محمود كان عنده حق.
قضيت حياتي البالغة وأنا برجّع الناس بيوتهم، وما اتعلمتش أستقر في بيت ليا.
في آخر يوم خدمة، حطيت شارة محمود في صندوق خشب، وسقت بالعربية ناحية الشمال لمدة ست ساعات؛ نفس الطريق اللي مشيته ليلة مراسم أحمد.
لكن المرة دي ما كنتش بجري عشان أحضر اليوم الكبير بتاع حد تاني.
وقفت مرتين، وشربت قهوة سيئة جدًا، وشفت البحر يظهر ويختفي جنب الطريق.
ولما وصلت للشارع اللي كبرت فيه، كنت هعدّي من غير ما أقف.
لكن شفتهم.
بابا واقف على الشرفة، وماما جنبه، وأحمد
رجع البيت هو كمان.
ما كانش فيه لافتة ترحيب، ولا أقارب مدعوين، ولا حد ماسك كاميرا.
وده اللي خلاني أعرف إنهم بدأوا يتعلموا.
ركنت العربية، وفضلنا لحظة من غير حركة.
ماما بدأت تنزل السلم، لكنها وقفت في النص.
ينفع؟
بصيتلها.
من سنة، كانت هتحضني من غير ما تستأذن. دلوقتي كانت مستنية موافقتي.
هزيت راسي.
كملت طريقها وحضنتني بحذر، وبعدها استنى بابا دوره، ثم أحمد.
جوه، العشا كان جاهز فراخ مشوية وبطاطس وفاصوليا خضرا، نفس النوع اللي كنت بكرهه وأنا صغيرة.
بصيت لأحمد.
إنت قلتلهم إني لسه بكره الفاصوليا؟
ابتسم.
قلت لماما.
ماما رفعت معلقة التقديم ناحيته.
كداب!
ضحكت، وفجأة الكل سكت.
لكن السكوت المرة دي كان مختلفًا. ما كانش سكوت حد اتجاوز حدوده، ولا خوف من كلمة هتجرح حد.
كانوا بيسمعوني وأنا بضحك، كأنهم كانوا على وشك يفقدوا الصوت ده للأبد.
ماما مسحت عينيها.
إوعي تبدئي، قلتلها.
أنا مش بعيط.
طبعًا.
بابا اهتم بالبطاطس فجأة، وأحمد خبطني برجله تحت الترابيزة، فرديتله الخبطة.
ولحظة بسيطة، كنا مجرد عيلة بتتعشى مع بعض.
بعدها طلعت أوضتي القديمة. ماما كانت شالت الصناديق اللي خزنتها فيها، ودهنت الحيطان من جديد.
لكن صورة واحدة فضلت مكانها فوق التسريحة أحمد وأنا جنب البحيرة. أنا عندي سبعتاشر سنة، وهو عنده حداشر، وسنانه الأمامية أكبر شوية من وشه، وحاضني من وسطي.
على ضهر الصورة، كنت كاتبة بخطي
هارجعك البيت دايمًا.
قعدت على طرف السرير، وصندوق الخشب في حجري.
وفجأة فهمت إن محمود كان شاف الصورة دي من سنين، وكانت مخبأة في الكشكول اللي باخده معايا في مهماتي.
كان بيهزر معايا على قصة شعري القديمة، وكنت بحكيله عن أحمد،
وعن البحيرة والعواصف،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *