فى جنا,زة والدى
حصرى لروايات مشيره محمد

في جنا,زة والدي، لم تفارق أختي ذات الثماني سنوات تابوته
في جنا,زة والدي، كانت الغرفة غارقة في رائحة الزهور وشهقات البكاء المكتومة. ظلت أختي “ليلي”، البالغة من العمر ثماني سنوات، واقفة بجانب التابوت دون حراك. لم تكن تبكي، وبالكاد كانت ترمش؛ كانت تنظر فقط إلى وجهه الساكن، وكأنها تنتظر منه أن يتنفس مرة أخرى.
كان الكبار يتهامسون بأن الحزن قد جمدها، وأنها صغيرة جداً لدرك معنى الموت. لكنني كنت أعرف أختي؛ كانت تفهم أكثر مما يتخيله الكثير من البالغين.
عندما انتهت المراسم، بدأ الناس يغادرون في مجموعات صغيرة، متمتمين كم كنا “أقوياء”. رفضت ليلي المغادرة، وتطلب الأمر تدخل اثنين من الأقارب لفصلها بلطف عن التابوت للسماح لعمال الجنازة بإغلاقه لليلة. لم تصرخ ولم تقاوم، فقط نظرت إلى وجه أبي وكأنها تترك جزءاً من نفسها هناك.
في تلك الليلة، عدت إلى المنزل مع أمي وزوجة أبي “ريبيكا”. كان الجو مشحوناً بالتوتر. كانت ريبيكا صامتة، تجفف دموعها كل بضع دقائق. كانت متزوجة من أبي منذ ثلاث سنوات فقط، وحاولت أن تكون زوجة أب جيدة… أو هكذا ظننت.
كان عمري ستة عشر عاماً، وهو عمر كافٍ لملاحظة عندما يكون هناك خطأ ما بينهما. كانا يتجادلان كثيراً. وفي الأشهر الأخيرة قبل الحادث، كان أبي يبدو… خائفاً.
في وقت النوم، دخلت ليلي إلى سريري بدلاً من سريرها. بقيت متصلبة، تعانق صورة أبي التي التقطت في الجنازة. همستُ لها أن البكاء لا بأس به، لكنها لم تستجب.
قرابة منتصف الليل، استيقظت ورأيت ضوء غرفتها مضاءً. لم تكن هناك.
عندما دخلتُ غرفتها ولم أجدها، شعرتُ بالذعر. نزلتُ إلى الطابق السفلي ووجدتها واقفة في المطبخ، تنظر إلى “ريبيكا” (زوجة أبينا) التي كانت تتحدث في الهاتف بصوت خفيض ونبرة متوترة.
تراجعتُ للخلف وراقبتُ مع ليلي. سمعتُ ريبيكا تقول: “لقد انتهى الأمر، هو الآن تحت التراب. لا أحد يشك في شيء. الجرعة كانت مثالية، بدت وكأنها نوبة قلبية طبيعية”.
تجمدت الدماء في عروقي. نظرتُ إلى ليلي، وكانت لا تزال صامتة تماماً، لكن عينيها كانتا تشعان بذكاء حاد وغضب مكتوم. في تلك اللحظة فهمتُ لماذا لم تترك التابوت؛ لم تكن تودعه فحسب، بل كانت تبحث عن شيء ما.
أخرجت ليلي من خلف ظهرها مسجلاً صغيراً كان أبي قد أعطاه لها لتسجيل قصصها قبل النوم. همست لي: “لقد وضعتُ المسجل في جيب سترة أبي داخل التابوت قبل أن يغلقوه، وبقي هناك طوال وقت الجنازة. ريبيكا كانت تتحدث معه وهو في النزع الأخير، واعترفت له بكل شيء ظناً منها أنه لا يسمع”.
قامت ليلي بسحب جهاز تحكم عن بعد صغير (كانت قد استعادت المسجل سراً عندما اقتربت من التابوت للمرة الأخيرة قبل إغلاقه نهائياً، مستغلة انشغال الجميع). ضغطت على زر التشغيل، وانطلق صوت ريبيكا بوضوح وهي تسخر من أبي وهو يحتضر، وتخبره كيف سممته ببطء لتورث أملاكه.
في الصباح التالي، بدلاً من الذهاب للمقابر، ذهبنا إلى قسم الشرطة. وبفضل شجاعة “ليلي” وهدوئها الذي ظنه الجميع حزناً، تم القبض على ريبيكا.
لم تكن ليلي “متجمدة” من الصدمة، بل كانت “جندية” صغيرة تخوض معركتها الأخيرة لأجل العدالة لوالدنا. وبعد أن انتهى كل شيء، بكت ليلي أخيراً، ولكن هذه المرة بين أحضاني، وهي تعلم أن روح أبينا قد استراحت بسلام.