حصرى روايات مشيره محمد
ذات الثلاث نقاط


فى تلك النقطة الصغيرة من عنقها ثلاث شامات داكنة مصفوفة بدقة هندسية لا يُخطئها قلبي وكأنها كوكبة نجوم طُبعت على جلدها لتكون دليلي في عتمة هذا العالم.
شعرتُ بركبتي تخذلانني. لم يكن انهيارًا مجازيًا، بل سقوطًا حقيقيًا لجسدٍ لم يعد يقوى على حمل ثقل الحقيقة. تهاويتُ نحو الأرض الطينية، لكنّ يداً قوية تلقفتني قبل الارتطام.
«سيدي! سيدي، تنفّس!»
كان صوت سائقي، “عمر”، يأتيني وكأنه قادم من قاع بئر عميق. لكن عينيّ بقيتا مسمّرتين عليها.
تراجعت الفتاة – لوسيا – إلى الخلف بخطوة واسعة، وانتزعت يدها من قبضتي وكأنني جمرة ملتهبة. تحوّل الخوف في عينيها إلى رعب خالص. رفعت يديها المتسختين بالإسمنت أمام صدرها في وضعية دفاعية، وقالت بصوت يرتجف:
«أنا لم أفعل شيئًا! أقسم لك… أنا لم ألمسه!»
اخترق صوتٌ أجش ضباب الموقف. هرول رئيس العمال نحوهم، ووجهه محتقن بالغضب، يلوح بيده في الهواء:
«ماذا يحدث هنا؟ أيتها الغبية! هل ضايقتِ السيد “البارون”؟ ألم أحذركِ من الاقتراب من الزوار؟»
رفع الرجل يده كما لو كان يهمّ بدفعها، وهنا عاد الدم ليغلي في عروقي. تلك النيران التي خمدت منذ عشرين عامًا اشتعلت في ثانية واحدة.
استقمتُ واقفًا بقوة لم أعرف أنني ما زلت أملكها، ودفعتُ ذراع السائق عني.
«إياك…» زمجرتُ بصوت هادئ لكنه يحمل وعيدًا مرعبًا، جعل رئيس العمال يتجمّد في مكانه. «إياك أن ترفع صوتك عليها، أو تفكّر حتى في النظر إليها.»
ساد صمتٌ مطبق في موقع البناء. توقفت الرافعات عن الدوران، وخفت ضجيج المطارق. كان الجميع يحدقون في المليونير الذي يقف بحذائه الإيطالي الباهظ وسط الوحل، يدافع عن عاملة بسيطة.
نظرتُ إليها مرة أخرى. كانت ترتجف، عيناها الخضراوان تتنقلان بيني وبين رئيسها بخوف. كانت لا تزال ترى فيّ تهديدًا، لا أبًا. وهذا ما مزّق قلبي أكثر من غيابها.
قلتُ بصوت حاولتُ جعله رقيقًا قدر الإمكان، رغم أن حلقي كان جافًا كالخشب:
«لوسيا… الشامات على عنقك… منذ متى وهي هناك؟»
قطبت حاجبيها باستغراب، ولمست عنقها لا شعوريًا، تاركة أثرًا رماديًا من الغبار على بشرتها السمراء:
«لقد ولدتُ بها… لماذا تسأل؟ من أنت؟»
«أنا…» ابتلعتُ ريقي، مدركًا أن الحقيقة ستكون ثقيلة جدًا، وربما تبدو جنونية في هذا السياق. «أنا شخص يعتقد أنه يعرفكِ أفضل من أي أحد آخر.»
