الجزء الرابع
الفصل العشرون بين ظلال الحب شروق مصطفى
بعد أيام من لقائه ب “الذهبية”، لم يرها مجدداً. تملّكه شعور بالفراغ؛ لا يعرف كيف أصبحت أو أين هي الآن. رغم محاولته التركيز مع فتاته الحالية لتعويضها عن أي ألم، ظل قلبه مثقلاً بالمقارنة. كلما نظر إلى المكتب الفارغ، تذكر ابتسامة تلك الفتاة وطفولتها العفوية.
ها هي الآن أمامه، ولكنه لا يشعر بأي شيء تجاهها، لا شيء يحرك قلبه كما فعلت تلك الفتاة قبل سنوات، زفر بضيق، محاولاً التركيز في العمل مجدداً، ثم استقام فجأة وأصدر صوتاً لتنبيهها، فتوقفت أمامه وسألته بتردد:
“أستاذ بدر، حضرتك هتمشي دلوقتي؟” أجابها باقتضاب وهو يتحرك نحو الباب: “آه، يلا بينا. حاسس إني مخنوق، هوصلك وأروح.”
ركبت بجانبه في صمت، بينما بقي هو غارقاً في أفكاره، يحاول عبثاً العثور على ما افتقده معها، لكنها لم تشعره بشيء، وكأن كل مشاعره نحوها قد تلاشت.
بعد تردد، قررت أن تخبره الحقيقة، فقالت بصوت خافت:
“بدر، باباك هو اللي طلب مني أرجع لحياتك، وقال إنك كنت بتدور عليا.”
تفاجأ بدر، فتوقف عن القيادة ونظر إليها بدهشة، وقال بحدة:
“بابا؟ كنتي عارفة من البداية؟ كمّلي!”
تلعثمت قليلاً، وقالت:
“مكنش قصدي أخدعك، لكن باباك قال لي إنك محتاجني.”
غضب بدر وضرب المقود بقبضته، وقال بانفعال: “يعني كنتي بتلعبي عليا؟ رميتي نفسك قدامي عشان أشوفك؟ كلكم كنتوا بتخدعوني!”
أجابته بسرعة: “لأ، والله، مكنش قصدي أخدعك. كنت مجبورة على الجواز فعلا، والدك قابلني وقال لي إنك بتدور عليا ومحتاجني وهيساعدني. صدقته. ويوم ما رميت نفسي، مكنتش عارفة أعمل إيه، قلت أعمل أي حاجة عشان تشوفني. سامحني إني لاغبطت حياتك.”
هدأت نبرتها: “أنا بعتبركم عيلتي الحقيقية، وحضرتك زي أخويا.”
دموعها انهمرت وهي تفتح باب السيارة:
“أسفة، بس أوعدك مش هسبب لك أي مشكلة مع اللي بتحبهم. كان غصب عني.”
نزلت مسرعة، وهو لحق بها وأمسك بذراعيها:
“استني، رايحة فين؟ تعالي هنا.”
هدأ من روعه وقال:
“أنا آسف، إنتي مالكيش ذنب. تعالي اركبي، ماتمشيش.”
ثم أضاف وهو يقود السيارة: “أنتي أختي، وأنا مش هسيبك. هكمل وعدي ليكي وأكون السند في ظهرك.”
أدارت وجهها نحوه وقد ارتسم التوتر على ملامحها، وقالت بصوت مرتجف: “طيب ممكن أقول حاجة لأخويا؟”
استدار نحوها بابتسامة خفيفة وقال:
“قولي اللي عاوزاه.”
تنهدت قليلاً، ثم استجمعت شجاعتها وتحدثت مرةً واحدة دون تردد:
“على فكرة، البنت اللي مشيتها دي بتحبك… وأوي كمان. كل مرة أحاول أقولك، بس أخاف تقول لي: ‘أنا مالي؟’. انت قسيت عليها أوي. حاول ترجعها الشركة وتعتذر لها. ولو أنا السبب، أنا مستعدة أروح لها وأفهمها كل حاجة”
هز رأسه نافياً، ولعن في سرّه غباءه الذي قاده إلى هذا الطريق المسدود، وأورثه ألماً لم يكن يتوقعه، فقد جرحها جرحاً عميقاً، وسلب منها جميع الامتيازات التي كان قد منحها لها فجأة. قال بصوت عميق هادئ: “انتي ملكيش علاقة خالص… أنا اللي اتسرعت. يلا، انزلي. كلِّميني لو احتجتي حاجة. من بكرة هبعت لك العربية بسواق يوصلك ويرجعك. ومتعمليش أي حركة جنان زي اللي عملتيها دي، ماشي؟”