ثمن الخداع
ثمن الخداع
بعد أن أنجبتُ طفلي الأول بساعات قليلة، دخل أخي الأكبر “منير” غرفة المستشفى وهو يحمل صندوق هدايا فاخر وابتسامة واسعة. كان ناجحًا جدًا في عمله، ويحب دائمًا أن يظهر اهتمامه بي بطريقته الخاصة. اقترب من السرير، نظر إلى الطفل بحنان، ثم قال وهو يضحك:
«مبروك يا أختي… وأخيرًا صار عندك سبب تصرفي عليه من الخمسة آلاف دولار اللي توصلك كل شهر.»
نظرتُ إليه باستغراب شديد، كنت ما زلت متعبة من الولادة، ولم أفهم ما يقصده. قلتُ ببطء:
«خمسة آلاف دولار؟ أي فلوس؟»
اختفت الابتسامة من على وجهه فورًا، وكأن أحدهم أطفأ النور في الغرفة. التفت ببطء نحو زوجي “سامر” الذي كان واقفًا بجانب النافذة، بينما كانت حماتي ترتب حقيبة الطفل. قال أخي بلهجة حازمة:
«أنا أحوّل لكِ خمسة آلاف دولار كل شهر منذ ثلاث سنوات… لمصاريفك الخاصة. لا تقولي إنك لا تعرفين.»
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. تجمد سامر في مكانه، وتوقفت حماتي عن الحركة فجأة. نظرتُ إلى زوجي وقلبي بدأ يخفق بسرعة:
«سامر… أنت الذي تدير الحساب البنكي… هل كان أخي يرسل المال فعلًا؟»
حاول سامر أن يبتسم ابتسامة متوترة وقال: «حبيبتي… كنت فقط أنظم الأمور المالية. كنتِ دائمًا تقولين إنك لا تريدين التفكير في المال.»
لكن أخي قاطعه فورًا وهو يخرج هاتفه: «لا تحاول تغيير الموضوع. أنا أرسل المال باسم أختي، إلى حسابها.»
كانت التحويلات واضحة على الشاشة.. ثلاث سنوات كاملة من المبالغ الضخمة التي لم أرَ منها مليمًا واحدًا. تذكرتُ فجأة كل مرة كنت أطلب فيها شيئًا بسيطًا فيقول سامر: «الميزانية ضيقة»، وتذكرتُ كيف كانت حماتي تكرر دائمًا: «يجب أن تتعلمي الاقتصاد».
رفعتُ عيني ببطء نحو سامر وقلتُ بهدوء مخيف: «إذًا… أين ذهب المال؟»
تدخلت حماتي بسرعة: «يا ابنتي نحن عائلة واحدة… هذا المال كان يُصرف على البيت…»
لكن أخي نظر إليها نظرة باردة وقال لسامر بصوت حاد: «أمامك دقيقة واحدة فقط لتخبرنا الحقيقة.»
لحظة الانفجار
سكت سامر لحظة، بص للأرض، وبعدين رفع عينه في عين أخي وقال بصوت مهزوز:
«الخمسة آلاف دولار مكنتش بتروح للبيت يا منير.. الفلوس دي كانت بتروح لسلمى.»
وقع الكلمة عليا كان أصعب من القلم. سلمى؟ “سلمى” أختي اللي عايشة في بلد تانية وبقالنا سنين علاقتنا مقطوعة بيها؟ أخويا منير ملامحه اتغيرت، مسك سامر من هدومه وقال بزعيق:
«سلمى؟ وإنت بتوصل لها الفلوس بصفتك إيه؟ وبأني حق تاخد فلوس أختك تديها لواحدة تانية؟»
هنا حماتي اتدخلت بصوت عالي وحاد:
«سيبه يا منير! سامر ملوش ذنب.. أنا اللي أمرته يعمل كدة. سلمى بنتنا برضه، وهي في ضيقة، وإحنا أولى بفلوس العيلة.»