رئيس البلديه
أراد رئيـس البلـدية أن يطـرد جـدتي مـن مـنزلها ليـبني مكانه مولًا تجاريًا ضخمًا… لكن الدرس الذي لقّنته له جعل الحي كله يقف مذهولًا. جدتي، الحاجة فاطمة، عمرها 78 سنة، تعيش في نفس البيت الصغير ذي اللون الأصفر منذ عام 1971. كل أهل الحي يعرفونها جيدًا. هي التي تتذكر أعياد ميلاد الجميع، وتبعث أطباق الكعك للجيران الجدد، وتعرف بالضبط متى يحتاج أحدهم كلمة طيبة. بالنسبة لمعظم الناس… هي أطيب إنسانة في الدنيا. لكن بالنسبة لرئيس الحي، الأستاذ عادل منصور… كانت مجرد عقبة في طريق مشروعه. منذ سنة تقريبًا، وهو يحاول تنفيذ مشروع ضخم لبناء مجمع تجاري فاخر في قلب المنطقة. وبدأت البيوت في الحي تختفي واحدًا تلو الآخر، بعدما تعرض أصحابها لضغوط كبيرة لبيعها. معظمهم كانوا كبار في السن. ومعظمهم استسلم في النهاية. لكن جدتي… لم تستسلم. عندما رفضت العرض المهين الذي قدمه لها رئيس الحي لشراء بيتها، بدأت المشاكل فورًا. فجأة بدأت البلدية ترسل مفتشين كل أسبوع. وصلت رسائل رسمية تتحدث عن مخالفات قديمة في البناء. وظهر محامون يتكلمون عن شيء اسمه نزع الملكية للمنفعة العامة… وهو قانون يسمح للدولة بأخذ البيت بالقوة. كان الضغط لا يتوقف. يوم الثلاثاء الماضي… جاءت الجرافات وهدمت بيت عائلة محمود المجاور لنا. الهدم أحدث تشققات في أساس بيت جدتي. وقفت على الشرفة تنظر إلى المشهد والدموع تنزل من عينيها. في تلك اللحظة… ظننا أن المعركة انتهت. ذهبت لأساعدها في ترتيب العلية والاستعداد للرحيل. كان الأمر يشبه الاستعداد لجنازة. كنا نقلب في الصناديق القديمة، عندما أخرجت جدتي دفترًا جلديًا قديمًا مليئًا بالغبار كان مخبأ داخل صندوق قبعات قديم. فتحت الدفتر… وفجأة تغير لون وجهها تمامًا. ثم حدث شيء غريب. ابتسمت. لكنها لم تكن ابتسامتها الدافئة المعتادة… كانت ابتسامة خطيرة. نظرت إليّ مباشرة وقالت بصوت هادئ: “اتصل فورًا بشركة النقل… وقُل لهم يلغوا كل حاجة.” ارتبكت وقلت: “ليه يا تيتة؟” لمعت عيناها وقالت: “لأن اللي في الدفتر ده… هيعلم رئيس الحي درس عمره ما هينساه.” لم أفهم قصدها… حتى قلبت الدفتر نحوي. وفي اللحظة التي قرأت فيها أول سطر مكتوب داخله… شعرت أن قلبي سيتوقف. رئيس الحي لم يكن على وشك أن يأخذ بيت جدتي… بل كان على وشك أن يخسر كل شيء.
مسكت الدفتر بإيدي وأنا حاسس إن قلبي بيدق بسرعة غريبة الورق كان أصفر قديم وعليه تاريخ مكتوب بالحبر الأزرق سنة 1970 أول سطر كان عبارة عن عنوان صغير مكتوب بخط واضح اجتماع لجنة التخطيط العمراني لتخصيص أرض الحي القديم وبعده أسماء كتير لكن الاسم اللي شد انتباهي فورًا كان اسم عادل منصور نفس اسم رئيس الحي الحالي رفعت عيني ناحية جدتي وقلت باستغراب هو ده نفس عادل منصور ابتسمت جدتي ابتسامتها الغامضة وقالت أيوه بس وقتها ماكانش رئيس حي ولا حاجة كان شاب صغير بيشتغل مساعد في مكتب التخطيط كملت القراءة وأنا مش فاهم لقيت صفحات فيها ملاحظات وتوقيعات وخريطة قديمة للمنطقة كلها والخريطة كان فيها مربع صغير متظلل باللون الأحمر بالضبط في المكان اللي فيه بيت جدتي دلوقتي تحت الخريطة مكتوب ملاحظة خاصة الأرض دي تظل ملكًا لصاحبتها فاطمة عبد الرحمن ولا يجوز نزعها أو تغيير صفتها بسبب الاتفاق المبرم مع البلدية مقابل التنازل عن الجزء الخلفي لصالح إنشاء الطريق العام رفعت رأسي بذهول وقلت يعني إيه الكلام ده ضحكت جدتي بهدوء وقالت يعني ببساطة يا حبيبي إن البيت ده ماحدش يقدر يقرب له قانونًا لأن الأرض اللي تحته عليها عقد خاص مع البلدية نفسها من أكتر من خمسين سنة وقبل ما أستوعب كلامها قلبت الصفحة اللي بعدها لقيت توقيع واضح في أسفل الورقة توقيع عادل منصور نفسه وقت ما كان موظف صغير في اللجنة وقتها حسيت إن الصورة بدأت تتضح قلت لجدتي يعني رئيس الحي بنفسه كان جزء من الاتفاق ده هزت رأسها وقالت بالضبط وهو عارف كويس إن الأرض دي لها وضع قانوني خاص بس كان فاكر إن الورق ده ضاع مع السنين أو إني نسيت ابتسمت مرة تانية بنفس الابتسامة اللي خلتني أحس إن فيه عاصفة جاية وقالت بس أنا عمري ما برمي حاجة مهمة بعد ساعتين بس كانت جدتي لابسة عباءتها السودا القديمة وماسكة الدفتر في إيديها وطلبت مني أروح معاها لمبنى الحي الطريق كله كنت متوتر لكن هي كانت ماشية بثقة غريبة لما دخلنا مبنى الحي كان فيه موظفين كتير بيبصوا باستغراب على الست العجوز اللي ماشية بخطوات ثابتة لحد مكتب رئيس الحي سكرتيرته حاولت توقفنا وقالت لازم تاخدوا موعد الأول لكن جدتي قالت بهدوء قوليله الحاجة فاطمة جت تزوره وبعد دقائق خرج عادل منصور بنفسه من المكتب أول ما شاف جدتي ابتسم ابتسامة رسمية وقال أهلا يا حاجة فاطمة كنت لسه ناوي أزورك بخصوص موضوع البيت ردت عليه جدتي بهدوء وقالت أيوه أنا كمان جاية أتكلم في الموضوع ده دخلنا المكتب وقعدت قدامه وحطت الدفتر على الترابيزة قدامه ببطء في الأول كان بيبص باستخفاف لكنه لما فتح الصفحة الأولى وتعرف على الخط والتوقيع بتاعه شفت لون وشه بيتغير فجأة رفع عينيه ناحية جدتي وقال منين لقيتي الدفتر ده ردت ببساطة ده بتاعي من الأول يا أستاذ عادل أنت اللي نسيت مش أنا سكت شوية وبعدين قالت بصوت واضح الاتفاق اللي هنا بيقول إن الأرض دي ما ينفعش تتاخد ولا تتحول لأي مشروع تجاري لأنها جزء من صفقة إنشاء الطريق القديم سنة سبعين لو حاولت تنزعها هتبقى بتكسر الاتفاق اللي انت نفسك موقع عليه فضل ساكت ثواني طويلة واضح إنه بيحسب كل حاجة في دماغه لكن جدتي ما خلصتش كلامها لسه قالت كمان في نسخة من الدفتر ده عند المحامي بتاعي لو حصل أي محاولة ضغط أو هدم هيرفع القضية مباشرة ويقدم النسخة للمحكمة ولسه في حاجة تانية فتحت الصفحة الأخيرة ولفت الدفتر ناحيته وقالت بص هنا لما قرب وشه شفت صدمته التانية الصفحة كانت فيها ملاحظات مكتوبة بخط إيده هو نفسه بتتكلم عن خطط تطوير قديمة للحي وتفاصيل مالية عن التعويضات اللي اتدفعت زمان بعضها واضح إنه ما اتسجلش رسميًا في ملفات البلدية يعني ببساطة لو الملف ده اتفتح ممكن يكشف مخالفات حصلت زمان قبل ما يبقى رئيس حي حتى ساعتها اتغيرت نبرته تمامًا وقال بهدوء مصطنع يا حاجة فاطمة احنا كلنا أهل هنا ومافيش داعي نكبر الموضوع ابتسمت جدتي ابتسامتها الهادية المعروفة وقالت أنا أصلًا ما بحبش المشاكل يا أستاذ عادل أنا بس بحب العدل وبحب بيتي اللي عشت فيه خمسين سنة وقف من مكانه وبدأ يمشي في المكتب بتوتر واضح حاول يقنعها بعرض جديد تعويض أكبر أو شقة فاخرة في العمارة الجديدة لكنها رفضت بهدوء وقالت أنا مش ببيع ذكرياتي ولا تاريخي خرجنا من المكتب وساعتها بس حسيت إننا كسبنا الجولة لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر بكتير من مجرد بيت تاني يوم الخبر انتشر في الحي كله الناس عرفت إن الحاجة فاطمة وقفت رئيس الحي عند حده فجأة بدأ الجيران اللي كانوا باعوا بيوتهم يتكلموا ويطلبوا مراجعة العقود القديمة بعضهم اكتشف إنهم اتعرضوا لضغط غير قانوني وبعضهم بدأ يسأل عن حقوقه الحي كله بقى