البيانو
بنت البيانو
القاعة كانت تحفة، كأنها حصن منيع مبيتدخلش.
النجف الكريستال كان بيلمع فوق الرخام المتلمع، وكاسات الشربات بتبرق في إيدين الناس.
ضحك الرجالة بالشياكة والبدل الرسمية، والستات بفساتينهم والألماظ اللي عليهم.. كأن مفيش أي حاجة توجع ممكن تدخل مكان مبني مخصوص لناس زيهم.
وفجأة.. الكل لاحظها.
بنت شابة واقفة بستان لبني بسيط جنب البيانو الأسود الكبير.
إيديها كانت ثابتة، وعينيها في الأرض، كأنها عارفة ومقتنعة إنها متخصش العالم ده ولا تنتمي ليه.
وده بالظبط اللي خلاهم يتسلوا عليها.
في وسط القاعة، كانت واقفة ست كبيرة لابسة فستان سهرة أحمر يخطف العين، وعقد ألماظ حوالين رقبتها بيبرق، بضحكة حادة كأنها نصل سكينة.
رفعت إيدها ووقفت البنت وهي بتحاول تمشي.
وبضحكة فيها قسوة، قالت:
”لو عزفتي على البيانو ده، هديكي مية ألف دولار.”
الضيوف كلهم ضحكوا.
شويه وشوشة.. وشوية تنمر.. والكل كان مستني البنت المسكينة دي وهي بتهزأ نفسها.
البنت فضلت ثابتة لثواني.
وبعدين لفت ببطء..
مشيت ناحية البيانو..
وقعدت.
الضحك لسه شغال مابطلش—
لحد ما صوابعها لمست المفاتيح.
أول نغمات نزلت في القاعة كأنها حاجة مقدسة.
صوت مش عالي، ولا فيه استعراض..
لكن فيه رقي، وشجن، وحاجة قريبة جداً من القلب.
الضحك مات في لحظتها.
وشوش الناس اتغيرت.
راجل واقف ورا نزل الكاس من إيده.
ست كبيرة غمضت عينيها.
وحد تاني واقف تحت النجفة حط إيده على بقه من الصدمة.
عشان العزف ده مكنش مجرد “حاجة حلوة”..
ده كان لمسة شخصية جداً.
اللحن لف في القاعة زي ذكرى كانت مدفونة بقالها سنين، وفجأة لقت طريقها للبيت.
الست اللي لابسة أحمر بطلت تضحك.
نفسها اتغير..
ولون وشها هرب منه الدم.
البنت عزفت آخر نوتة..
وسكتت.
سكون تام.. تقيل.. ميتوصفش.
وبعدها رفعت عينيها وبصت في عين الست اللي لابسة أحمر بكل تحدي.
بكل هدوء.. ونظرة قوية متهزتش.
وقالتلها:
”أنا مش عايزة فلوسك..”
سكتت لحظة..
وصوتها بقى أوطى وأحدّ:
”.. أنا عايزاكي تقوليلهم ليه البيانو ده محفور عليه اسم عيلتي أنا!”
الهمس زاد في القاعة، والست اللي بالفستان الأحمر كانت هتقع من طولها، وشها بقى أصفر زي الليمونة. حاولت تلم الموضوع وقالت بصوت مهزوز: “انتي بتقولي إيه؟ إنتي شكلك اتجننتي! اطلعي بره!”