ميت على قيد الحياه ( روايات مشيره محمد)
كانت جنازة لشابٍ وسيم جدًا، مات فجأة بسكتة قلبية، الخبر نزل كالصاعقة على الجميع، شاب في ريعان عمره، لا مرض ظاهر، لا شكوى، فقط سقط ورحل، الناس تجمعت، والوجوه امتلأت بالحزن، والهمسات تدور في كل مكان: كيف مات؟ لماذا؟ لكن لا أحد كان يملك إجابة، فقط صمت ثقيل ودموع تسقط دون كلام، الكل يودّعه وكأنهم لا يصدقون أن هذه النهاية السريعة ممكنة.
نزل شقيقه الملتزم إلى القبر، كان ثابتًا في ظاهره، لكنه من الداخل كان يتكسر، بدأ يضعه في لحده بيدين ترتعشان، ودموعه تنحدر على خديه دون توقف، لحظة قاسية جدًا، أخ يودّع أخاه بيديه، اقترب قليلًا ليكشف عن وجهه النظرة الأخيرة…
وفجأة… تجمد مكانه، سكتت دموعه، واتسعت عيناه بشكل مخيف، وكأن شيئًا غير طبيعي أمامه، ظل يحدّق للحظات لا يستوعب ما يرى، وقال في داخله: مستحيل… هذا ليس وجه أخي الذي أعرفه، كان هناك شيء غريب، ملامح مختلفة، نظرة لم يرها من قبل، إحساس بالرهبة تسلل إلى قلبه، تراجع قليلًا ثم أسرع في تغطية وجهه، وكأنه يريد أن يخفي ما رآه حتى عن نفسه.
خرج من القبر وهو مشتت، وقف لتلقي التعازي، الناس حوله تتحدث، تعزيه، تربّت على كتفه، لكنه لم يكن معهم، كان عقله عالقًا في تلك اللحظة، يعيد المشهد مرارًا، يحاول أن يقنع نفسه أنه توهّم، لكنه لم يستطع، كل مرة يتذكر… يشعر بنفس الخوف.
في الجهة الأخرى، النساء كنّ يبكين بحرقة، يندبن شبابه، يذكرن أخلاقه، لكن وسط هذا البكاء… كانت هناك امرأة واحدة مختلفة تمامًا، زوجته، لم تكن تبكي مثلهم، لم تصرخ، لم تنهار، فقط جالسة بهدوء غريب، وكأنها خارج الحدث، وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه أحد، هذا الهدوء شد انتباهه أكثر من أي شيء.
رنّ هاتفها فجأة، نظرت إليه للحظة ثم ردت بهدوء، إحدى السيدات اقتربت منها وقالت: أخو زوجك يريد التحدث معك، أخذت الهاتف، وصوتها بارد: أجرنا وأجرك، هنا شعر الأخ بشيء غير طبيعي، هذا ليس صوت امرأة فقدت زوجها للتو، فقال مباشرة: في حاجة حصلت في المقبرة… وأنا محتاج تفسير منك.
سكتت لثواني، ثم قالت بهدوء: ماذا حدث؟ تنفس بعمق وقال: لما كشفت عن وجه أخي… لقيته يشبه وجه…
وسكت فجأة، لم يستطع إكمال الجملة، كأن الكلمات ثقيلة عليه، لكن الزوجة تغير صوتها فجأة، واستعجلت بشكل واضح وقالت: وجه ماذا؟! قول!
وفي اللحظة دي…
قال الكلمة اللي كان خايف ينطقها…
وقال اسم شخص…
شخص… المفروض إنه ميت من سنين…
