سر عائلتى. روايات مشيره محمد
خطواتها داخل الغرفة، وصوت كعب حذائها العسكري يضرب الأرضية الرخامية بانتظام مرعب، وضعت الورقة أمام “حسن عبدالعزيز” مباشرة فوق طبق البطاطس المهروسة الذي تلطخ بدمائي منذ ثوانٍ، وقالت بنبرة جليدية:
”أستاذ حسن عبد العزيز.. معانا أمر بضبط وإحضار حضرتك، وتفتيش البيت بالكامل.. بتهمة غسيل أموال، والتستر على أنشطة مشبوهة تخص شركة ‘الخالد’ للتوريدات.”
ساد صمت قاطع، لدرجة أنني سمعت صوت طنين النجفة الكبيرة فوق رؤوسنا. “حسن” الذي كان منذ لحظة يمثل دور الإله على هذه السفرة، اهتزت يده وهو يمسك المنديل. حاول استعادة قناعه الهادئ، تنحنح وقال وصوته يرتجف قليلًا:
“أكيد في سوء تفاهم يا فندم.. أنا راجل أعمال معروف، والشركة دي ماليش علاقة بيها من سنين..”
هنا تدخلت “مدام هالة” المحامية، وفتحت شنطتها الجلدية ببطء مستفز، وأخرجت منها ملفاً أزرق ووضعته فوق الورقة الأولى:
“العلاقة انقطعت ورقياً بس يا سيادة المستشار.. لكن التوقيعات الحية اللي في الملف ده، والتحويلات اللي تمت من حسابات ‘كريم’ ابنه القاصر الأسبوع اللي فات، بتقول كلام تاني خالص.”
بصقت أمي العصير من فمها، وتلاشت ابتسامتها المستفزة لتحل محلها ملامح الرعب. نظرت إلى “كريم” الذي انكمش على كرسيه وكأنه يحاول الاختفاء داخل ثيابه. لم يكن “كريم” الصغير مجرد متفرج، كان الغطاء القانوني الذي يختبئ خلفه والدي.
المقدمة “ندى” لم ترفع عينها عن والدي، لكنها وجهت كلامها لي دون أن تلتفت:
“يا آنسة.. تقدري تتفضلي مع العسكري، في سيارة إسعاف تحت هتتعامل مع الجرح اللي في وشك، وبعدها محتاجين أقوالك في المحضر.. مش بس عن الشركة، عن ‘التأديب’ اللي شفناه أول ما دخلنا.”
والدي فقد أعصابه فجأة، ضرب الطاولة بيده صائحاً: “دي بنتي! وأنا حر في بيتي! ومحدش ليه يدخل في اللي بيحصل هنا!”
خطت المقدمة “ندى” خطوة واحدة للأمام، انحنت فوق الطاولة حتى صار وجهها في مواجهة وجهه تماماً، وقالت بهدوء مخيف:
“في بيتك أنت حر.. لكن في حضوري، أنت متهم.. والدم اللي على وش بنتك ده هو أول خيط هيخلينا نفتش في الدفاتر القديمة أوي يا حسن بيه.. الدفاتر اللي ‘خالتك نجوى’ كانت بتحاول تخبيها.”
التفتت الرؤوس كلها لـ “نجوى”. كانت ترتعش، وعيناها تزوغان في أرجاء الغرفة. لم تكن مجرد خالة صامتة، كانت المحاسبة المختفية خلف الستار، واليد التي تدير القذارة كلها.
