عامل الدليفرى

​على طريق ضلمة خالص بعد نص الليل، أي راجل عاقل كان هيزود السرعة ويمشي في حاله ولا كأنه شايف حاجة. “ريتشارد جورج” كان فعلاً هيعمل كده، بس قلبه مطاوعوش. هدى السرعة وركن على جنب، وقرب من عربية غالية جداً كانت مركونة نصها على الرصيف، موتورها مطفي وباب السواق مفتوح.

​جنب العربية، كانت واقفه ست في الضلمة، ثابتة زي الصنم. ريتشارد شاب عنده 28 سنة، شغال طيار دليفري، ركبه وجعاه من كتر اللف، وفي جيبه كله 3 دولار و40 سنت، وعايش في أوضة وصالة في حي المنسيين.. حياته بسيطة جداً: مرتبة على الأرض، وابور غاز في الزاوية، وقميص واحد نضيف شايله لليوم اللي بيحلم بيه. كان عايش على وجبات الدليفري اللي بتتلغي، والمكرونة اللي بيزود ميتها عشان تشبعه، وكان عنده حلم واحد شايله في دفتر تحت مرتبته: إنه يفتح ورشة تصليح موتوسيكلات لنفسه.

​ريتشارد كان عنده قاعدة ماشية في دمه: “ابعد عن المشاكل اللي تخص غيرك”. القاعدة دي هي اللي حمته لما كان حد يعرض عليه فلوس سريعة في الحرام، أو لما يشوف حاجات وهو بيوصل طلبات مش المفروض يشوفها. بس الليلة دي، القاعدة دي اتكسرت.

​قرب من الست وهو رافع إيده عشان يطمنها وسألها: “أنتي كويسة؟”. لما لفت وشها، ريتشارد نفسه انقطع لثانية. وشها مكنش وش واحدة عربيتها عطلانة، كان وش واحدة تايهة جوه حياتها. عينيها وارمة من كتر البكاء، ملامحها تعبانة جداً. كانت لابسة لبس ثمنه أكتر من اللي ريتشارد بيكسبه في شهور، بس اللبس كان مبهدل ومكرمش وكأنها مابقتش مهتمة بأي حاجة.

​سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت ميت: “أنا مابقتش عارفة أنا كنت رايحة فين”. مقالتش عربيتي عطلت ولا ساعدني، قالت بس إنها مش عارفة طريقها. ريتشارد مكنش خبير في التعامل مع المواقف دي، هو مجرد عامل دليفري بيعد الفكة كل يوم، بس كان فاهم يعني إيه “وحدة”، وفاهم صوت الوجع لما الكلام يعجز عنه.

​سألها براحة: “بيتك فين؟ أنا ممكن أوصلك”. هزت راسها وقالت: “مش عايزة أرجع هناك الليلة دي”. ريتشارد بص للطريق الفاضي ولعربيتها الغالية وللمدينة الضلمة، وفكر في أوضته الضيقة وشوية الرز اللي فاضلين عنده. داس على قاعدته القديمة وقالها: “فيه مكان قريب، هو مش قد المقام بس أمان، ممكن تقعدي فيه لحد الصبح”.

​بصت في وشه وكأنها بتقرأ نيتة، وبعدين وافقت. ركبت وراه على الموتوسيكل، وكانت ماسكة فيه بحذر كأنها أول مرة تثق في حد غريب. لما فتح باب أوضته، شافها فجأة بعيونها هي: المرتبة اللي على الأرض، اللمبة السهاري، وابور الغاز، الجزمة القديمة المرصوصة بنظام.. قالها بكسوف: “أنا آسف، المكان ضيق”. ردت عليه بكلمة واحدة: “مش مهم”، وكانت تقصدها فعلاً.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *