الماظه فى الظل
الحكاية من أولها
أمي قضت سنين من عمرها وهي بتقولي: “ارجعي ورا وسيبي أختك هي اللي تظهر”.. بس اللي حصل إن “البرنس” ساب الكل، ومشى ووقف قدامي أنا!
أمي كان عندها قاعدة واحدة ليا، ولما كبرت وفهمتها، كانت خلاص حفظتها زي النشيد من كتر ما كررتهالي:
“على جنب يا إيمان.. سيبي أختك هي اللي تخطف الأنظار.”
وفعلاً، ده اللي عملته.
كنت دايمًا برجع خطوة لورا.. في عزومات العيلة، في الأفراح، وفي كل “الخروجات الشيك” اللي أمي كانت بتحلم فيها إن أختي تتجوز الراجل “اللقطة”، اللي من عيلة تقيلة، ومعاه فلوس وسلطة.
”هنا” كانت دايمًا البنت اللي لازم الكل يشوفها.
أما أنا، فكنت البنت اللي اتدربت إزاي “تختفي”.
في الليلة دي، في حفلة كبيرة في “جاردن سيتي”، وقفت في مكاني المعتاد في ركن القاعة، نص مستخبية ورا شجرة زينة ضخمة. كنت لابسة فستان لونه رمادي هادي، أمي هي اللي اختارتهولي عشان على حد قولها: “وقور ومش لافت”.
بس أنا كنت عارفة هي تقصد إيه.. كانت تقصد “عشان محدش ياخد باله منك”.
من مكاني ده، كنت شايفة “هنا” وهي منورة في نص القاعة تحت أضواء النجف، وحواليها الضحك، وريحة البرفانات الغالية، ورجالة من عائلات أساميها ليها شنة ورنة. كانت حلوة، وواثقة في نفسها جداً. هي مكنتش وحشة، ومكنتش محتاجة تكون كدة أصلاً.. هي طول عمرها “نجمة الحفلة”، والناس اللي زيها عمرهم ما بيبصوا على “الأركان”.
بس أمي كانت بتبص على الأركان كويس.. عشان تتأكد إني لسه “كنبة” وماليش صوت.
فجأة لقيتها وقفت جنبي من غير إنذار، وعنيها لسه متثبتة على “هنا”.
وقالتلي بصوت واطي وحازم: “بلاش التكشيرة دي يا إيمان.. ياسين بيه المنشاوي وصل.”
مجرد ما نطقت الاسم، الستات اللي واقفين جنبنا سكتوا خالص وبدأوا يعدلوا لبسهم.
”ياسين المنشاوي” كان أكتر راجل بيتردد اسمه في السوق. مقاولات، استيراد وتصدير، وتوكيلات عالمية.. فلوس مابتخلصش. شاب، وشخصيته قوية، وغامض، والأهم من ده كله.. إنه لسه “أعزب”.
فجأة، القاعة هديت خالص.. والعيون كلها راحت ناحية الباب. “ياسين المنشاوي” دخل. كان داخل بهيبة تخطف العين، لابس بدلة سودة شيك جداً، ونظرات عينه كانت حادة وواثقة.
أمي قرصتني من دراعي وقالتلي من تحت ضرسها: “أثبتي مكانك، متتحركيش.. النهاردة ليلة أختك.”
”هنا” عدلت فستانها ورسمت أحلى ضحكة، واستعدت عشان تكون هي أول حد يقابله. ياسين بدأ يمشي في نص القاعة، والناس بتوسعله يمين وشمال بهيبة. أمي كانت هتموت من الفرحة وهي شايفاه بيقرب من الاتجاه اللي فيه “هنا”.
لكن حصلت الحاجة اللي قلبت الترابيزة..
ياسين مكملش طريقه لـ “هنا”. ولا حتى بَص للناس اللي كانت بتموت وتلمس إيده عشان تسلم عليه. هو كمل مشي بخطوات واثقة، وعينه كانت مركزة على حاجة واحدة بس..
مشى لحد ما عدى “هنا”.. وعدى أمي.. ووقف قدامي أنا!
أنا كنت لسه مستخبية ورا الشجرة، وبنهج من التوتر. هو وقف قدامي بالظبط، لدرجة إني شميت ريحة برفانه اللي تدوخ.
بص في عيني مباشرة، ومد إيده بمنتهى الشياكة وقال بصوت هادي مسموع للكل:
“أخيراً لقيتك.. أنا بقالي ساعة بدور على صاحبة أجمل عينين في الحفلة.”
القاعة كلها اتصدمت. أمي كانت واقفة فاتحة بوقها ووشها جاب ألوان، و “هنا” كانت هتعيط من الكسوف والزهول.
أنا سألت بصوت مهزوز: “أنا؟ حضرتك أكيد تقصد أختي هنا..”
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها ثقة، وقرب مني وقال: “أنا عارف كويس أنا بكلم مين يا إيمان.. مفيش ألماظة بتستخبى في الضلمة كتير.”
وفي اللحظة دي، ياسين مسك إيدي وشدني لنص القاعة تحت الأضواء، قدام عيون الكل..
دي كانت أول مرة في حياتي، الكل يبص عليا أنا.. والفضل يرجع للراجل اللي أمي كانت فاكرة إنه جاي عشان أختي!