انا حوريه
أنا حورية، أبلغ من العمر ستين عامًا، لم أكمل دراستي، ولم أعمل يومًا خارج البيت، ولم أكن أملك من الجمال ما يجعل الأمهات يتسابقن لخطبتي لأبنائهن، حتى تخطيت الثلاثين وأنا أسمع همسات الناس تقول إن قطار الزواج فاتني بلا رجعة.
كنت أضحك أمامهم وأعود إلى غرفتي أبكي بصمت، فكل فتاة في عمري كانت تحمل طفلًا أو تعيش بيتًا أو تسمع كلمة زوجها، أما أنا فكنت أعيش مع جدتي وأخبئ وجعي خلف خدمة البيت وكوب شاي دافئ في آخر الليل.
وفجأة جاءت الخاطبة إلى بيتنا بوجه مبتهج، وقالت إن هناك شابًا في الثالثة والثلاثين يريد الزواج، لم يسبق له الزواج، يعمل مع والده في شركته الخاصة، ومن عائلة محترمة وميسورة الحال.
أخرجت صورته من حقيبتها، فوجدته وسيمًا بشكل جعل قلبي ينقبض لا يفرح، رجل بهذا الشكل وبهذا العمر وبهذه العائلة، لماذا يطلب امرأة لا تملك مالًا ولا جمالًا ولا شهادة؟
لم يطل السؤال كثيرًا، فقد قالت الخاطبة الحقيقة بصوت خافت، إنه فقد بصره في حادث سيارة منذ خمس سنوات، وأجرى عمليات كثيرة ولم ينجح الأطباء في إعادة النور إلى عينيه.
دخلت غرفتي أبكي كأن الحياة قررت أن تسخر مني للمرة الأخيرة، وقلت لجدتي إنهم لم يروني زوجة إلا عندما فقد الرجل بصره، لكنها وضعت يدها على رأسي وقالت جملتها التي لم أنسها أبدًا: “لعل في الضرير حياة يملأها العبير، اجلسي معه أولًا ثم احكمي”.
جلست معه وأنا مرتجفة، لكنه أسر قلبي من أول دقائق، كان اسمه نادر، خفيف الظل، صوته دافئ، كلامه مرتب، يضحك بطريقة تجعل الخوف يذوب، ولا يتعامل مع فقد بصره كأنه نهاية العالم.
تحدث معي بصراحة عن حياته قبل الحادث، قال إنه كان شابًا مدللًا يحب السهر والخروج والنساء الجميلات، لا يتحمل مسؤولية ولا يفكر في الغد، ثم جاء الحادث وأغلق عينيه وفتح له بصيرته.
خفت من كلامه، خفت أن أكون مجرد اختيار اضطراري، وخفت أكثر أن يكون زواجنا عبئًا لا أستطيع حمله، لكن الأيام الأولى بعد الزواج كشفت لي رجلًا مختلفًا تمامًا عما تخيلت.
كان يفعل كل شيء وحده، يتحرك في البيت بثقة، يرتب أغراضه، يساعدني في المطبخ، يلاعبني بالكلام إذا رآني قلقة، ويقول إن العجز الحقيقي ليس في العين بل في القلب الذي لا يعرف الامتنان.
أنجبنا أربعة أطفال، وكان أبًا لا يشبه أحدًا، يحفظ خطوات كل طفل، يعرف من يبكي من صوته، يراجع معهم الدروس بذاكرته، يحملهم، يضحك معهم، ويجعل البيت ممتلئًا بحنان لم أكن أظن أنني سأعيشه يومًا.
