يـــوسف.. مشيره محمد

فـي مـدرسـة النور الطـلاب كـانـوا دايماً بيتجنبوا يقعدوا جنب يوسف.
​لبسه كان دايماً مبهدل ومش مكوي، كتبه ناقصة، وكل نتيجة امتحان تطلع كان بيبقى مكتوب عليها نفس الكلمة اللي توجع:
​”راسب”
​المدرسين خلاص جابوا آخرهم معاه وفقدوا صبرهم.
​”يا يوسف، أنت ليه علطول نايم في الفصل؟”
​”ليه مش بتتفوق وتلتزم زي باقي زمايلك؟”
​ساعات زمايله في الفصل كانوا بيضحكوا عليه تريقة لما درجاته تتسند.
​بس يوسف عمره ما دافع عن نفسه.. كان بيكتفي إنه يوطي رأسه في الأرض بسكوت.. كل يوم على نفس الحال.
​وفي يوم بعد الضهر، بعد ما يوسف سقط في امتحان الحساب تاني، المدرسة بتاعته، أبلة منال، اتعصبت جداً.
​زعقت وقالت: “لأ لحد هنا وكفاية! أنا هاجي أزورك في البيت النهاردة بالليل”.
​الفصل كله سكت فجأة.. ووش يوسف خطفه اللون وبقى شاحب.
​همس بخوف وهو بيترجاها: “أبوس إيدك يا أبلة.. بلاش تيجي”.
​بس أبلة منال افتكرت إنه مكسوف من فقر أهله ومش عايزها تشوف بيتهم، فما سمعتش كلامه.
​بالليل بعد المدرسة، مشيت وراه من بعيد من غير ما يحس.
​الولد الصغير مشي مسافة طويلة جداً، بعيد خالص عن شوارع المدينة الزحمة.. عدى على بيوت مهدومة، ومصارف على قارع الطريق، وسوق زحمة ودوشة.. لحد ما في الآخر دخل مبنى مهجور مش مكمل بناه.
​أبلة منال اتسمرت في مكانها.. “هو في حد ممكن يعيش هنا فعلاً؟!”
​قربت براحة وبخطوات حذرة.. وفجأة.. سمعت صوت صريخ طفل صغير طالع من جوة.
​مش صوت يوسف.. ده صوت بيبي بيعيط.
​لما بصت من ورا الباب المكسور.. المنظر اللي شافته كسر قلبها حتت.
​جوة الأوضة اللي مليانة تراب.. ثلاثة أطفال صغيرين قاعدين على الأرض بيعيطوا من الجوع، أكبر واحد فيهم يدوب عنده خمس سنين.
​وجنبهم.. كان يوسف بيحاول يعملهم شوية “عصيدة” بمية سخنة في كاتل مصدي.
​أبلة منال حطت إيدها على بوقها من الصدمة، وعينيها اتملت دموع.
​في اللحظة دي سمعت واحد من الأطفال بيسأل بصوت ضعيف وتعبان:
​”أخويا يوسف.. هي ماما هتيجي النهاردة؟”
​يوسف سكت ثانية واحدة.. وبعدين أجبر نفسه على الابتسامة وقال:
​”آه.. يمكن بكرة إن شاء الله”.
​بس أبلة منال فهمت من نظرة عينيه المكسورة والساكتة.. إن أمهم مش هترجع تاني أبداً.
​دخلت الأوضة براحة، يوسف لف واتخض أول ما شافها:
​”أبلة منال؟!”
​الولد كان مرعوب.. مش عشان عامل مصيبة، بس عشان سره اللي كان مخبيه انكشف.
​صوت أبلة منال كان بيرتعش وهي بتسأله: “يوسف.. فين أهلك؟”
​الولد بص في الأرض ودموعه نزلت، وفي الآخر همس:
​”بابا سابنا ومشي من زمان.. وماما ماتت من تلات شهور”.
​أبلة منال ركبها سابت ومكنتش قادرة تقف: “إيه؟!”
​يوسف هز رأسه براحة وقال: “كانت عيانة.. ومكنش معانا فلوس للمستشفى”.
الدموع بدأت تكر على وشه وهو بيكمل: “بس قبل ما تموت.. مسكت إيدي ورجتني مسبش إخواتي الصغيرين يتبهدلوا أو يجوعوا”.
​هنا أبلة منال مكنتش قادرة تمسك دموعها أكتر من كده.. كل حاجة بقت واضحة ومفهومة بالنسبة لها.
​ليه يوسف بينام في الفصل.. ليه مش بيعمل الواجب.. وليه دايماً بيسقط.
​كل يوم الصبح قبل المدرسة، الولد الصغير كان بيروح السوق يشتغل “شيال” يشيل بضائع للتجار عشان يقدر يجيب لقمة يأكل بيها إخواته.
وكل يوم بالليل.. كان بيفضل صاحي يراعيهم ويهتم بيهم.
ومع كل ده.. عمره ما غاب عن المدرسة.
​أبلة منال بصت حوالين الأوضة تاني.. مفيش مرتبة يناموا عليها، مفيش كهربا، مفيش أكل.. مجرد أطفال عايشين على تضحية طفل تاني زيهم.
​وجت اللحظة اللي دمرت أبلة منال تماماً..
​أصغر طفل فيهم شاور ببراءة على يوسف وابتسم وقال للأبلة:
​”يا أبلة.. أخونا ساعات مش بياكل خالص عشان إحنا ناكل الأول ونشبع”.
​أبلة منال دخلت في نوبة بكاء منهارة.. يوسف حس بالذنب وبقى مش على بعضه، وهمس لها براحة:
​”عشان خاطرك ما تعيطيش يا أبلة.. أنا بعمل كل اللي بقدر عليه”.
​”بعمل كل اللي بقدر عليه”.. الكلمة دي كسرت حاجة جواها.
​تاني يوم الصبح في طابور المدرسة، كل الطلاب لاحظوا إن أبلة منال واقفة بتعيط قبل ما تتكلم في المايك.
​الكل كان مستغرب ومستني يفهم.. لحد ما بدأت تحكي قصة يوسف.
​على ما خلصت كلامها.. كان حوش المدرسة كله مفيش فيه نفس، سكوت تام.
طلاب كتير كانوا بيمسخوا دموعهم، وطلاب تانيين وطوا رأسهم في الأرض كسوفاً وخجلاً من نفسهم عشان كانوا بيتريقوا عليه.
​وفجأة.. مدير المدرسة قلع جاكيت البدلة بتاعه، وطلع فلوس وحطها في شنطة يوسف.
مدرس ورا تاني عملوا نفس الحاجة.. وبعدها الطلاب بدأوا يطلعوا كل اللي في جيوبهم؛ اللي معاه فكة، اللي معاه مصروفه، وفلوس المواصلات.. كل الناس شاركت.
​في نفس الأسبوع، المدرسة أجرت شقة صغيرة ليوسف وإخواته، واتكفلت بالأكل، وادوا له منحة دراسية، والمساعدات بدأت تجيلهم من كل حتة.
​ولأول مرة من شهور.. يوسف نام على سرير حقيقي.
​بس اللحظة اللي تقطع القلب بجد حصلت بعد كده..
​في يوم بالليل، أبلة منال راحت تزورهم ومعاها شنط أكل وتجهيزات للبيت. وهي بترص الأكل في المطبخ، لقطت بطرف عينيها يوسف واقف جنب صورة قديمة ومتبروزة لأمه الله يرحمها.
​الولد ابتسم للصورة وهمس بنبرة حنين:
​”أمي.. الناس ساعدونا”.
شفايفه بدأت تترعش وكمل: “والنهاردة.. عيالك أكلوا لحد ما شبعوا على الآخر”.
​أبلة منال لفت وشها الناحية التانية علطول وانفجرت في العياط أكتر من أي وقت فات في حياتها..
​عشان ساعات.. أقوى الناس مش بيبقوا الكبار..روايــات_مشـيره_مـحمد
ساعات.. بيبقوا أطفال صغيرين، شايلين فوق كتافهم حمل عيلة كاملة في سكوت.

روايــات_مشـيره_مـحمد

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *