اخويا الصغير.. لمشيره محمد
الجزء الأول: الصدمة
”بصوا لقيت إيه! حساب التوفير الصغنن بتاع أخويا،” أختي ضحكت وهي بتهز رزمة ورق في الهواء، وبابا وماما واقفين يسقفلوا لها بحرارة. “شكراً يا حبيبي إنك هتدفع لي مصاريف الكلية!” كل اللي قاعدين ماتوا على روحهم من الضحك.. إلا أنا. بكل هدوء، طلعت تليفوني وعملت مكالمة واحدة قصيرة جداً. بعد عشر دقائق بالظبط، الباب الخارجي اتخبط برزع وهبد هز البيت كله.. الضحكة اتمحت من على وشوشهم في ثانية. الفلوس اللي أهلي افتكروها “لقطة” وجت لهم على الجاهز، كانت على وشك إنها تتحول لأكبر مصيبة في حياتهم كلها.
الصالون اتقلب بمليون ضحكة في اللحظة اللي أختي رفعت فيها الفايل فوق رأسها.. ما كملناش نص ساعة وكان رجال الأمن الفيدرالي كاسرين الباب وداخلين.
”شوفوا لقيت إيه،” منة قالتها بنبرة كلها شماتة وفرحة. “قرشين التوفير بتوع أخويا الصغير.”
كانت بتهز رزمة الورق في إيدها كأنها كسبت كأس العالم.
”شكراً يا غالي عشان هتمول لي مصاريف جامعة الأحلام.”
أمي وأبويا وشهم نور.. حرفياً نور من الفرحة.
أبويا رجع بضهره على الكرسي بكل فخر وقال:
“يا ابني ما هو الأهل لبعضيهم، ولازم نساعد بعض.”
أنا كنت باصص للفايل وساكت..
كل ورقة جوه الفايل ده متأخدة من مكتبي المقفول.
كل ورقة بتمثل سنين من التعب والشقى.
سنين من التضحية.
وسنين.. من الأسرار.
سفرة العشا كانت مليانة قرايب وأعمام وخلان، كلهم جايين يباركوا لـ “منة” عشان اتقبلت في جامعة مرموقة وغالية جداً.
محدش فيهم جاب سيرة إنها نجحت بالعافية ودخلت الملحق!
محدش جاب سيرة إنها سقطت تلات ترمات قبل كده!
محدش جاب سيرة إنها بقالها سنين بتبعزق في الفلوس يمين وشمال على الفاضي!
بدل كل ده، كانوا بيحتفلوا بمصيبتهم.. إنها اكتشفت اللي هما فاكرينه “حساب التوفير السري” بتاعي.
أمي ابتسمت بحنية وقالت:
“أختك تستاهل تاخد فرصة يا حازم.”
ضحكت ضحكة واحدة.. ضحكة مكتومة وقصيرة.
“تستاهل فرصة؟”
منة لوحت بوشها وقالت بتناكة:
” يوه بقى يا حازم، ما تبقاش أناني.. أنا خلاص اتكلمت مع بابا، وهننقل كل حاجة الأسبوع الجاي.”
الثقة اللي كانت بتتكلم بيها كانت غريبة.. بس الغباء اللي ورا الثقة دي كان أغرب بكتير!
لأن اللي في الفايل ده ما كانش حساب توفير أصلاً.. ولا حتى يقرب له.
بس أنا حافظت على هدوئي.
طول عمري في نظر العيلة دي وأنا الشخص الفاشل.. الهادي.. الممل.. الأخ اللي بيشتغل ساعات طويلة وما بيقولش هو بيعمل إيه بالظبط.
في الوقت اللي منة كانت بتاخد فيه الدلع والمدح على كل خيبة بتعملها، أنا كنت شبه غير مرئي بالنسبالهم.
وده كان مريحني جداً.. لأن الناس دايماً بتستهون بالراجل اللي ملوش صوت.
أبويا شاور عليا بصباعه وقال:
“المفروض تكون فخور إنك بتساعد أختك.”
رديت بهدوء: “أنتوا أخدتوا ورق من مكتبي.”
“إحنا أهل يا حازم!”
“أنتوا اقتحمتوا مكتبي وقفل داري.”
“استخدمنا النسخة الاحتياطية من المفتاح، عادي يعني.”
الصالون كله ضحك تاني.. وكأن السرقة بتبقى حلال وعادي لما القرايب هما اللي يعملوها.
منة ربعت إيدها وقالت بتحدي:
“هتعمل إيه يعني؟ هتطلب لنا البوليس؟”
السفرة كلها اتقلبت ضحك وتريقة عليا.
بصيت حواليا في الأوضة.. محدش واقف في صفي. محدش هامّه الحقيقة أصلاً.
كانوا فاكرين إنهم خلاص كسبوا الجولة وكسروا عيني.
بالراحة خالص، مديت إيدي وطلعت تليفوني.
منة لوت بوزها وقالت: ” لسه هتمثل؟”
ضغطت على رقم.. والخط فتح فوراً.
قلت كلمتين وبس: “العملية بدأت.”
الصوت على الناحية التانية رد بكل برود وثقة: “مفهوم.”
قفلت السكة.
أبويا ابتسم بسخرية وقال: “ومين ده بقى إن شاء الله؟”
بصيت في عينه بالظبط وقلت له: ” هتعرفوا كلكم.. قريب جداً.”
لأول مرة طول السهرة، لمحت حاجة اتهزت ورا ثقته العمياء دي.. نظرة قلق وخوف خطفت على وشه، بس اختفت بسرعة.
كان فاكرني ببحلق وبتكلم وخلاص.. كلهم افتكروا كده.
وده كان أول غلطة يقعوا فيها..
أما غلطتهم التانية.. فكانت إنهم فتحوا الفايل ده من الأساس!
