امراه عرفت قدر نفسها
كان الهويدج الخريفي يتسلل عبر نوافذ العيادة الراقية في حي الزمالك، حيث انتفخت صدور عائلة الدهبي بجديد الفخر والانتصار. جلس كريم على الكرسي الجلدي المريح داخل قاعة الانتظار المخصصة لكبار الزوار، وبجانبه والدته الحاجة ناهد التي كانت تتنفس بصوت عالٍ كأنها تخوض معركة حاسمة، وأخته دينا التي لم تتوقف عن تصفح هاتفها وتأمل صور المجوهرات، منتظرة لحظة وصول “الوريث المنتظر”.
في المنتصف، كانت ريم تجلس بثوبها الأنيق المطرز، وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة بقليل من الشكليات والمظاهر، وتبتسم ابتسامة باهتة كلما وجه كريم لها نظرة فخر.
— “أخيرًا يا كريم يا بني.. أخيرًا هشوف ابنك اللي هيشيل اسم الدهبي وبكرة يقف جنبك ويشيل العيلة!”.. قالتها الحاجة ناهد وهي تربت على ركبة كريم بحدة، متجاهلة تمامًا أنها قبل نصف ساعة فقط كانت تبارك طلاق ليلى وطرد طفليها إلى المجهول.
رد كريم وهو يعدل لياقة قميصه بغرور:
— “خلاص يا أمي.. الصفحة القديمة واتقفلت. ليلى دي كانت غلطة، ست نكدية ومبتعرفش تفكر غير في النفقات والمصاريف، والحمد لله إني أخدت خطوة الطلاق قبل ما تدبسني أكتر من كده. ريم هي اللي صانت العيلة وبتديني اللي حلمت بيه طول عمري.”
تبسمت دينا بسخرية وقالت:
— “ولا طفلين ملهمش قيمة، الولد والبنت بتوع ليلى دول كانوا ياكلوا ويناموا وبس، عمرك ما شفت منهم حنية ولا مشاعر، لكن ابن ريم ده هيبقى سيد العيلة كلها.”
في تلك اللحظة، فتح باب العيادة الداخلي، وخرج الدكتور رفعت، أحد أكبر أطباء النساء والتوليد في القاهرة، وهو رجل ستيني وقور، يحمل في يده ملفًا طبيًا أبيضًا مطبوعًا بتفاصيل السونار ثلاثي الأبعاد. كان وجهه خالياً من أي انفعال، لكن عينيه كانتا تحملان ظلاً ثقيلاً من الحيرة والريبة.
وقفت الحاجة ناهد بلهفة، وسبقها كريم الذي تقدم خطوات نحو الطبيب وهو يفتح ذراعيه كأنه يستعد لتلقي التهاني:
— “خير يا دكتور رفعت؟ طمّنا.. الولد بخير؟ السونار أكد إنه ولد زي ما قولتلي المرة اللي فاتت؟”
نظر الدكتور رفعت إلى كريم، ثم جالت عينانه بين وجوه العائلة المشدوهة، وأخيرًا استقرت نظراته على ريم التي شحب لونها فجأة وتراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض تحت قدميها بدأت تتزلزل.