ام عزباء
الرجل أخد نفس عميق، وطلع من جيب معطفه محفظة جلدية فخمة، أخرج منها صورة صغيرة قديمة ومضيئة بعيون طفلة حالمة، وقدمها لي وإيديه بترتجف هزة خفيفة ما يداريهاش وقاره ولا منصبه. بصيت للصورة، وبعدين بصيت له باستغراب، لقيته بيقول بنبرة مليانة وجع مكتوم: “الرضيعة اللي أنقذتيها الليلة اللي فاتت… ريم… تبقى حفيدتي.”
برقت بعيوني وأنا براجع ملامحه: “حفيدتك؟! طب وإزاي توصل لكرسي في آخر أتوبيس نقل عام في عز الثلج وهي بالمنظر ده؟ ومين اللي سابها؟!”
الرجل حط إيده على الباب وكأنه خايف يقع، وسألني بصوت مكسور: “ممكن أدخل؟ الكلام اللي هقولهولك محتاج مكان مقفول.. ومحتاج أمان، لأن حياتي وحياة البنت دي في خطر.”
تراجعت خطوة للورا وسحبت الباب، وأمي كانت واقفة ورايا حاطة إيدها على قلبها والولاد بيصرخوا في الأوضة الجوانية. دخل الرجل، قعد على الكنبة القديمة في صالتنا البسيطة، وبص حوليه بنظرات ممتنة.
قال وهو بيعرف نفسه: “أنا اسمي سليم باشا المصراتي.. رجل أعمال من القاهرة. ريم دي بنت ابني الوحيد.. ابني اللي اتقتل من أسبوع واحد بس!”
أمي صرخت وحطت إيدها على بقها: “يا ساتر يا رب! اتقتل؟!”
كمل سليم باشا وهو بيحاول يمسك دموعه: “جوز بنيتي أو بالأحرى شريكه في الشركة هو اللي ورا القتل، كان طمعان في ثروة العيلة وفي الورث. ولما ابني مات، مراته — أم ريم — خافت على حفلتي لأنهم كانوا هيتخلصوا منها هي كمان علشان أيلولة التركة تدين لهم. أم ريم تهربت بيه وبارتعت لغاية المنصورة وهي بتستغيث بيا، بس للأسف، إمبارح بالليل وهم بيطاردوها على الطريق الزراعي، عربيتها اتقلبت… وهي غرقانة في دمها، استجمعت آخر نقطة قوة فيها، شالت ريم وجريت للشارع العمومي لما شافت أتوبيسك واقف في الموقف الخارجي بيلف للعودة. طلعت الأتوبيس في زحمة الناس والظلمة، حطت الطفلة في الآخر، وكتبت الورقة دي وهي عارفة إنها بتموت!”
دموعي نزلت من غير ما أحس. صورة الطفلة وشفايفها الزرقا مرت قدام عيني. قلت بصوت مخنوق: “يعني أمها… ماتت؟”
هز رأسه بأسى: “الشرطة لقت جثتها الصبح قريبة من الموقف. وأنا عرفت أصل الحكاية لما رجعت لتسجيلات الكاميرات ولتتبع خط سير الموبيل، وعرفت إنك أنتِ السائقة اللي كانت شغالة على الأتوبيس ده، وإنك أنتِ اللي أخدتي البنت للبيت ودفيتيها قبل ما تسلميها للشرطة.”