فتاة القصر

 

​محدش كان يجرؤ يرفع صوته جوه قصر المنشاوي.

​مش عشان المكان هادي، لأ.. عشان السكوت هناك كان ليه ودان وبيرد الصدى.

​صالة المدخل كانت واسعة ونضيفة جداً، الأرضية الرخام لونها كريمي وبتلمع زي القزاز تحت النجفة اللي بتبرق حتى بالنهار. السلم الكبير كان ملفوف زي الأحلام، ورد أبيض محطوط بدقة على تربيزة قزاز، ونور الشمس داخل من الشبابيك العالية وكأنه نور مقدّس مغطي المكان.

​المكان ده كان معمول للضحك.. بس الضحكة مكنتش بتدخل البيت ده من زمان.

​بدل الضحك، كانت ليلى -بنت عندها 8 سنين- ساندة بركبتها على الأرض الساقعة، وماسكة في إيدها “ممسحة” تقيلة على إيديها الصغيرة، وبتمسح بحذر.. ومن سكات.. وبتحاول دموعها متنزلش على الأرض عشان محدش يشوفها.

​فجأة، صوت خروشة كيس شيبسي برتقالي فاقع كسر السكوت ده.

​نعمات كانت مأنتخة على الكرسي، بزيّها الرسمي المكوي بالمسطرة، وبتمضغ ببرود وهي بتتفرج على ليلى وهي بتشقى.

​قالت لها من غير حتى ما تبصلها: “متوقفيش غير لما الأرض تبرق”.

​ليلى بلعت ريقها بالعافية وهي بتحاول تخبي غصتها، وكملت مسح.

​بعد ما مامتها اتوفت، ليلى اتعلمت درس بسرعة.. إن الحزن مش بيغير الناس بنفس الطريقة.

​في ناس بتبقى أرق.. وفي ناس تانية.. بتبقى قاسية.

​نعمات اتغيرت تماماً من أول ما كامل بيه بدأ يسافر تاني.

​في الأول الموضوع بدأ بالتدريج.. أكل بايت وساقع، بيبان تتقفل في وشها، ويتقال لها اطلعي فوق لما ييجي ضيوف. بس شوية بشوية، الموضوع بقى أصعب.. مهام وتقلبات فوق كتافها الصغيرة، كلام بيسمّ، وعقابات مابتخلصش.

​لحد ما ليلى حست إنها مش بنت صاحب البيت.. دي حست إنها حمل تقيل ومحدش عاوزه.

​كل ما كانت تحاول تشتكي لباباها، نعمات تبتسم بتمثيل وتقول لها في ودنها:

“باباكي مشغول جداً.. متخليهوش يندم إنه رجع البيت بسببك”.

​فـ ليلى بطلت تحاول.. مش عشان معندهاش كلام تقوله، بس عشان “الأمل” بقى شيء بيخوف.

​الصبح ده، وقعت منها فازة وهي بتدخل الورد الصالة.. الفازة حتى متكسرتش! بس نعمات دخلت زي العاصفة، وزقت الممسحة في إيد ليلى ورزعتها في الأرض الرخام لدرجة إن صوت الرزعة سمع في البيت كله.

​”نضفيها دلوقتي!”

​وليلى عملت اللي بتعمله كل مرة.. وطت عينيها في الأرض.. وسمعت الكلام.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *