وقفت في وسط المكتب والإيدين بتترعش، مش من الخوف، لكن من الصدمة اللي نازلة على دماغي زي المية الساقعة. المحامية إلهام كانت على الناحية التانية من التليفون، صوتها فيه نبرة ذهول وتوتر واضح: «استنى عندك يا شريف! طيران للغردقة ومحجوز باسم والدتك وفريدة؟ وبكرة الصبح؟ ده معناه إن الموضوع مش مجرد كراكيب ورق اتسرقت.. دي خطة مجهزة بالساعة والتدقيقة!» «إلهام، أمي هربت من البيت، ومش بعيد تكون رايحة تلم باقي الليلة قبل طيارة بكرة. أنا عايز أعرف الحقيقة دلوقتي. الورق اللي خدته ده فيه إيه يتخاف منه للدرجات دي؟» سكتت إلهام ثواني، وسمعت صوت تقليب ورق وسحب أظرف على المكتب عندها، وبعدها قالت بصوت واطي ومحسبوب: «شريف.. المرحومة نور قبل ما تتوفى بسنتين، كتبت وصية وعملت عقد حماية للممتلكات باسم فريدة، وكان فيه بند شرطي غريب جداً هي أصرت عليه وقتها.. وقالتلي بالنص: لو حصلي حاجة، الحضانة وإدارة التركة ترجع لشريف بالكامل، لكن لو شريف جرى له حاجة أو اتجوز تاني أو حصلت أي ظروف تخلي الحضانة تتنقل، أم شريف مالهاش أي حق في إدارة التركة أو ولاية على البنت.» دمي حِتِد في عروقي: «أمي؟! ليه نور تكتب بند زي ده؟ هي كانت عارفة حاجة أنا مكنتش عارفها؟» ردت إلهام: «أخت نور.. المطبوعة التانية من الوصية كانت عندها. وأظن إن والدتك لما اكتشفت إنك مسافر أسيوط ثلاث أيام، استغلت الفرصة عشان توثق تنازل أو تلعب في أوراق الولاية التعليمية والممتلكات باستخدام التوكيلات القديمة وباسبور فريدة قبل ما تكتشف أنت الشغلانة!» قفلت مع إلهام وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. أمي اللي كنت فاكرها الضهر والند في أزمتي، هي اللي كانت بتدبر من ورايا ضربة القاضية! طلعت الطرقة، لقيت مي قاعدة مع فريدة في الصالة وبترسم معاها. قربت من مي ووشوشتها: «خليكي مع فريدة، أنا نازل ومش متأخر.. لو أمي ظهرت أو اتصلت، متفتحيش الباب ومتشيلش الخط.» نزلت الشارع، قلبي كان بيلف على كافة السيناريوهات. فتحت برنامج التتبع الخاص بعربية أمي—الحمد لله إني كنت حاطط جهاز تتبع صغير في عربيتها من سنة لما كانت بتنسى هي ركناها فين. الشاشة أظهرت نقطة حمرا بتتحرك بثبات نحو منطقة الزمالك.. وتحديداً عند مكتب محاماة قديم تبع عيلتنا، صاحب والدي الله يرحمه: "مكتب الأستاذ فاروق". سوقت بسرعة جنونية، ووصلت للزمالك في أقل من ثلث ساعة. ركنت العربية ونزلت جري، طلعت السلالم الرخام بتاعة العمارة القديمة وأنا مش شايف قدامي. فتحت باب المكتب من غير ما أخبط. المنظر كان كفيل يوقف قلبي. أمي كانت قاعدة قصاد الأستاذ فاروق، وعلى الترابيزة بينهم باسبور فريدة، والملف الأسود بتاع عقود الورث، وورقة ثانية عليها أختام حمرا. أمي أول ما شافتني، أطرافها اتجمدت، واللون هرب من وشها تماماً. الفنجان اللي كان في إيدها اتهز والمية صبت على الطاولة. «شريف؟! انت.. انت مش مفروض تكون في الطيارة لأسيوط دلوقتي؟!» مشيت بخطوات بطيئة وتلقائية لحد ما وقفت فوق رأسها، وسحبت الباسبور والملف من على الترابيزة وحطيتهم في جيبي: «الطيارة اتلغت يا أمي.. أصل فريدة نسيت ترجع المفتاح النحاس جيب الجاكيت بتاعي.» الأستاذ فاروق قام من كرسيه وهو متوتر وبيعدل نظارته: «يا شريف يا بني اهدا بس، والدتك كانت جاية تعيد ترتيب بعض الأوراق الخاصة بفريدة للحفاظ على حقوقها..» زعقت فيه بصوت هز أرجان المكان: «حقوق مين يا أستاذ فاروق؟! تذاكر الغردقة اللي محجوزة لبكرة الصبح دي لحساب مين؟! الملحوظة اللي مكتوب فيها أبوها مش هيكون في المحافظة دي معناه إيه؟!» أمي قامت وقفت، وعينيها تحولت من الخوف للجمود والقسوة، القسوة اللي عمرها ما ورتهاني في حياتها: «أيوه يا شريف! عملت كده عشان أنقذ البنت منك ومن العيلة دي! أنت من يوم ما نور ماتت وأنت مش هنا.. عايش في ذكرياتك وشغلك، وسايب البنت تضيع! التركة دي حق البنت، وأنا الأولى إني أديرها وأمن مستقبلها بعيد عن استهتارك!» ضحكت بمرارة ودموعي كانت محبوسة في عيني: «أنا مستهتر يا أمي؟ أنا اللي شغال ليل بنهار عشان أوفرلها أحسن عيشة؟ ولا أنتِ اللي طمعانة في إدارة العمارة وأسهم الشركة اللي نور كتبتها باسم البنت؟ نور الله يرحمها كانت فاهمة صح.. كانت عارفة إنك مش شايفانا غير أرقام وفلوس، عشان كده كتبت البند ده في وصيتها!» وش أمي اتغير تماماً أول ما سمعت سيرة الوصية: «وصية إيه؟ نور مكنتش..» «نور كانت عارفة كل حاجة!» قاطعتها وأنا بقرب منها: «كنتِ فاكرة إني مش هعرف؟ كنتِ فاكرة إنك لما تخلي بنت عندها خمس سنين تتسحب في الضلمة وتسرق مفتاح أبوها، إن ربنا مش هيكشفك؟ أنتِ علمِتي البنت الكذب والخوف! هددتيها إنك هتمشيها لو حكتلي!» صوت أمي بدأ يترعش، والشرارة اللي في عينها انطفت فجأة لتحل محلها انكسار حقيقي: «شريف.. أنا أمك.. أنا كنت خايفة البنت تتأخذ مننا لو أنت اتجوزت تاني.. العيلة دي هي كل اللي فاضلي..» «أنتِ دمرتي كلمة أمك دي النهاردة،» قلتها بصوت هادي وقاسي جداً. «الباسبور معايا، والأوراق معايا، والتذاكر دي هتروح للنيابة كدليل على محاولة خطف قاصر.» الأستاذ فاروق اتدخل بسرعة وهو بيترعش: «خطف إيه يا شريف! دي جدتها، صلوا على النبي يا جماعة الموضيع دي متتوصلش للنيابة!» بصيت لأمي في عينها وركزت في كلامي: «مش هعمل بلاغ يا أستاذ فاروق.. مش عشان خاطرها، عشان خاطر فريدة متكبرش وتعرف إن جدتها كانت عاوزة تسرقها وتخطفها من أبوها. بس بشرط واحد.» أمي بصتلي وهي مستنية الحكم. «أنتِ مش هتعطبي عتبة بيتي تاني يا أمي. مش هتشوفي فريدة غير بأمر مني وفي وجودي، ومش هتحطي إيدك على ريال واحد من اللي سابهولنا زمان ولا اللي سابته نور. من النهاردة.. أنتِ بالنسبة لفريدة مجرد اسم في شهادة الميلاد، لحد ما تتعالجي من الطمع والمرض اللي جواكي ده.» أمي سكتت، نزلت رأسها للأرض وما قدرتوش تنطق بكلمة واحدة. أخدت أوراقي ومشيت، سبتها واقفة في مكتب المحامي زي التماثيل الشمع. رجعت البيت. أول ما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنت رجلي وهي بتعيط: «بابا.. انت زعلان مني؟ تيتا جاية تأخذني؟» نزلت لمستواها، شيلتها بين إيديا وحطيت رأسها على كتفي، وشميت ريحة شعرها اللي بتفكرني بنور. «مفيش حد يقدر يأخذك مني يا فريدة.. مفيش حد في الدنيا دي كلها يقدر يبعدك عن أحضان بابا. وتيتا مش جاية هنا تاني.» فريدة بصتلي بعيونها البريئة وهي بتمسح دموعها: «يعني مش هخبي أسرار تاني؟» ابتسمت من وسط وجع قلبي وقلتلها: «ولا سر واحد يا قلب بابا. من النهاردة مفيش بيننا غير الصراحة.. يلا بينا نعمل التوست ونقطع المربعات الصغيرة زي ما ماما كانت بتحب.» في الليلة دي، قعدت في الصالة وبصيت لصورة نور اللي على الحيطة. حسيت إني أخيراً وفيت بعهدي ليها، وحميت بنتنا من الدائرة الخبيثة اللي كانت هتتلف حوالين رقبتها. المفتاح النحاس الصغير اللي كان في إيد فريدة، مكنش مجرد مفتاح لدرج المكتب.. ده كان المفتاح اللي فتح عيني على الحقيقة، ونقذ بنتي من مستنقع كذب كان هيعيشها طول عمرها في خوف. روايات_مشيره_محمد